كتب – الشيخ – ابراهيم حسين الضلعي
تمرّ اليوم الذكرى السنوية العاشرة لرحيل المناضل الجسور العميد حسين حسن الضلعي، فيحضر اسمه لا كخبرٍ عابر من الماضي، بل كأثرٍ راسخٍ في وجدان من عرفوه، وكحضورٍ متجدد في ذاكرة وطنٍ شهد له بالثبات والصدق والإخلاص. فبعض الرجال لا يرحلون تمامًا، لأن ما يتركونه من سيرةٍ ومواقف يبقى حيًا يتوارثه الناس جيلًا بعد جيل.
كان الفقيد نموذجًا لرجل الدولة الذي جمع بين الحزم والإنصاف، وبين القوة والحكمة، فلم تكن المسؤولية لديه منصبًا يُمارس، بل أمانةً تُؤدّى، وواجبًا يُحمل بضميرٍ حي لا يساوم ولا يتراجع. عُرف بقربه من الناس، وبسعيه الدائم للإصلاح ذات البين، وبحنكته التي كانت تُطفئ الخلافات بين القبائل المتناحرة قبل أن تتسع رقعتها، فكان صوتًا للحكمة حين تضيق الخيارات، ومرجعيةً يُلجأ إليها حين تتعقد المواقف.
وفي المراحل الصعبة التي مر بها اليمن، برز كأحد الشخصيات التي عُرفت بالحزم والحسم، وبالرأي المتزن الذي لا تميله العواطف ولا تُربكه الضغوط. فقد كان يدرك أن القيادة ليست في إصدار القرار فحسب، بل في توقيته ونتائجه، وفي القدرة على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن واعتبارات المجتمع. ولذلك ترك خلفه سيرةً عطرة حافلة بالنضال والكفاح والعطاء، لم تُكتب فقط بما قيل عنه، بل بما غرسه من قيم راسخة في النفوس: النزاهة، الشجاعة، التواضع، الشهامة، وروح المسؤولية.
وحين يُستعاد اسمه اليوم، يقف القلم متأملًا أمام سيرة رجل لم يكن مجرد اسمٍ في سجل إداري، بل صفحةً مضيئة من صفحات الوطن، ورمزًا من رموزه التي طبعت أثرها في زمنٍ كان للمواقف فيه وزن، وللكلمة فيه معنى. فقد كان واحدًا من أولئك الذين يُصنع بهم الفارق، لا بالضجيج، بل بالفعل الهادئ المؤثر.
ينحدر الفقيد من قرية ضلاع الأشمور بمحافظة عمران، حيث بدأ مسيرته مبكرًا منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، ليكون من أوائل الذين التحقوا بالسلك الأمني، في مرحلة كانت فيها الدولة تتشكل وتواجه تحديات معقدة. ومنذ تلك البدايات، حمل على عاتقه مسؤولية الإسهام في بناء مؤسسات الدولة وترسيخ الأمن والاستقرار، فكان حاضرًا في مفاصل مهمة من تاريخ اليمن الحديث.
وتدرّج في عدد من المناصب الأمنية، حيث شغل منصب مدير أمن محافظة عمران لعدة فترات، ثم تولى إدارة أمن المحويت ومأرب ورداع والبيضاء، مقدّمًا نموذجًا لرجل الأمن الذي يجمع بين الصرامة في أداء الواجب، والمرونة في التعامل مع قضايا المجتمع. كما شارك في لجان المصالحة الوطنية، وترأس عددًا من لجان الانتخابات، مؤكدًا حضوره في مختلف الجوانب التي تتطلب الحكمة وضبط التوازن.
وقد أشاد به عدد من كبار رجال الدولة، عسكريين وسياسيين ومشائخ، ممن عاصروه وعرفوا عن قرب مسيرته، مؤكدين أنه كان من أكفأ وأقدم ضباط وزارة الداخلية، وأنه مثّل نموذجًا للقيادة الأمنية المسؤولة التي تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. وفي بيان نعيها، أكدت وكالة الأنباء اليمنية “سبأ” أن الفقيد من القيادات التي كرّست حياتها في خدمة الوطن، وأن رحيله شكّل خسارة كبيرة لواحد من رجال الأمن الذين ظلوا أوفياء لواجبهم حتى آخر لحظة.
كما تناولت مواقع رسمية وحزبية وشعبية مسيرته، واصفةً إياه بأنه أحد رجال الدولة المخلصين الذين أسهموا في ترسيخ العمل الأمني في عدد من المحافظات، وأنه كان مثالًا للانضباط والنزاهة والالتزام. ولم تقتصر شهادات التقدير على المؤسسات، بل امتدت إلى الناس الذين عرفوه عن قرب، فكان حضوره في ذاكرتهم أعمق من أي منصب شغله.
أما في وجدان المجتمع، فقد بقي “رجل الحكمة والإصلاح”، وصاحب الكلمة التي تُطفئ الفتنة قبل أن تشتعل، وبابًا مفتوحًا لا يُغلق أمام محتاج أو صاحب مظلمة. كان إذا حضر في موقفٍ معقد، هدأت النفوس قبل أن تُطرح الحلول، وكأن حضوره وحده كان كفيلًا بإعادة التوازن. لم تكن هيبته في صوته، بل في عدله، ولا في سلطته، بل في إنسانيته واتزانه.
جمع في شخصيته بين الصرامة التي تفرضها المسؤولية، واللين الذي تفرضه الإنسانية، فلم يكن من أولئك الذين تصنعهم المكاتب، بل من الذين صنعتهم التجربة والميدان، فصاروا جزءًا من ذاكرة الناس، لا مجرد أسماء في أوراق الوظيفة. ولهذا بقي أثره حاضرًا حتى بعد رحيله، لأن الأثر الحقيقي لا يُقاس بالمدة، بل بالعمق.
وحين وافته المنية في 20 أبريل 2016، توالت برقيات العزاء وبيانات النعي من الجهات الرسمية والمحلية والشعبية، التي نعت الفقيد وأشادت بمواقفه ومناقبه، مؤكدةً أنه كان واحدًا من رجال الأمن الذين أدّوا واجبهم بإخلاص وتفانٍ. كما تناولت مواقع محلية خبر وفاته بوصفه خسارة لرجلٍ ترك أثرًا إنسانيًا واجتماعيًا لا يُنسى.
واليوم، بعد مرور عشر سنوات على رحيله، لا يُستحضر اسمه كذكرى عابرة، بل كقيمةٍ باقية، وكحالةٍ وطنية تجسد معنى المسؤولية والالتزام. فمثل هؤلاء الرجال لا تُقاس أعمارهم بعدد السنوات التي عاشوها، بل بما تركوه من أثرٍ في الناس والوطن، وبما زرعوه من مبادئ تبقى حية في سلوك الأجيال.
رحم الله العميد حسين حسن الضلعي رحمةً واسعة، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان. وستبقى ذكراه حاضرة ما بقي في الوطن من يذكر الرجال الأوفياء، ويؤمن أن بعض الرحيل لا يعني الغياب، بل بداية حضورٍ أعمق في الذاكرة والوجدان، حيث تبقى المواقف شاهدة، وتبقى السيرة حية لا تغيب.
