د. حميد أحمدي نژاد*
دونالد ترامب، عبر سردية “السلام من خلال القوة”، قاد هيمنة النظام الدولي إلى حرب مع إيران، وبعد أربعين يوماً من المواجهة العسكرية، لم يتمكن من تحقيق أي من أهدافه المعلنة أو الضمنية. ومن هذه النقطة فصاعداً، يتحول الصراع الذي اختارته أميركا إلى حرب كرامة لها. فعندما تدخل القوة الأعظم المطلقة عالمياً، التي لم يشهد التاريخ مثلها منذ الإمبراطورية الرومانية حسب اعتراف البعض، بكل رموزها الهيمونية إلى الميدان، وبعد أربعين يوماً لا تستطيع أحداث أي تغيير في النظام، ولا تفكيك البرنامج النووي، ولا حتى إحداث “تغيير في السلوك” أو “إضعاف قوة” الجمهورية الإسلامية، تتحول القضية بالنسبة لها إلى مسألة كرامة. وهنا يبرز مفهوم “التمبوقراطية” (Tempocracy)، أي محاولة شراء الوقت والسيطرة عليه. فالتمبوقراطية بالنسبة لترامب في هذه الحالة تعني إطالة أمد وقف إطلاق النار لتعويض الإخفاقات، وإدارة الأزمة، والخسارة في وقت لاحق، أو ربما تحويل الهزيمة إلى نصر.
مساران ومأزق واحد
هناك مساران أمام ترامب للخروج من مستنقع إيران: إما استمرار الحرب، أو التفاوض. وقد واجه مسار التفاوض منذ بداية وقف إطلاق النار عقبات بالغة الأهمية. فرغم أن ترامب يحاول حظه في ميدان الدبلوماسية للحصول على ما لم يحققه في ميدان الحرب، إلا أن إيران اليوم، وبذات الصواريخ والمسيّرات والحلفاء من غير الدول، أثبتت خلال أربعين يوماً من الحرب أن “شروطها العشرة” ليست شيئاً يمكن تجاهله بالتهديد. فالأميركيون يدركون تمام الإدراك أن ما لم يسجلوه في الحرب، لا يمكنهم توقيعه على طاولة التفاوض. وبالتالي، فالمسار الأكثر احتمالاً هو العودة إلى الحرب، ولكن في هذا الميدان أيضاً توجد قيود خطيرة أمام ترامب.
أولاً: القيد الزمنی. فإذا استمرت الحرب مجدداً لأكثر من ستين يوماً، ونظراً للمساعي المتكررة التي يبذلها الديمقراطيون للحد من صلاحيات ترامب خلال الأربعين يوماً من الحرب الأولى، فإن البيت الأبيض سيحتاج من حيث المبدأ إلى إقناعهم. وهي عملية تبدو، في ضوء التطورات الميدانية للأربعين يوماً الأولى، مستبعدة أو على الأقل بالغة الصعوبة. وبالتالي، إذا عاد ترامب إلى الحرب، فسيتعين عليه خوض حرب قصيرة وسريعة، وهو أمر لن تسمح به إيران. ثانياً، قدرة تحمل المجتمع الأميركي الداخلی. فالارتفاع الهائل في أسعار البنزين والمدخلات الأخرى من الطاقة، سيُسرّع في حشد مجتمع لا يحتمل التضخم والغلاء، ضد حرب استنزاف. ثالثاً، والأهم من كل ذلك، التفوق الإيراني في الميدان. فقد أثبتت أربعون يوماً من حرب رمضان أن إيران قادرة على فرض تكاليف باهظة وخلط المعادلات الإقليمية. في ظل هذه الظروف، فإن السيناريو الوحيد المتصور لأميركا هو بدء الحرب في الوقت الذي تكون فيه إيران في أضعف حالاتها الممكنة، وترامب ينتظر بلوغ هذه الحالة، وهو يقوم بشراء الوقت من أجل: أولاً، إعادة ترتيب قدراته هو وإسرائيل التي أُضعفت؛ ثانياً، الانتظار حتى يدخل إيران فصل الصيف، حين يزداد احتياج المجتمع إلى الطاقة وتتضاعف تكلفة الضغط الاقتصادي؛ ثالثاً، ربما يتمكن من إشراك حلفائه العرب هذه المرة بشكل مباشر وعلني في ميدان المعركة. هذه التمبوقراطية، أي شراء الوقت لتوجيه الضربة في أضعف نقطة، هي الاستراتيجية الواضحة لترامب.
ماذا على إيران أن تفعل؟
أولاً وأكثر الأمور حيوية، هو أن تعيد إيران تعريف عتبة تحملها خلال فترة وقف إطلاق النار. ففي الظروف الراهنة، إذا استمر ترامب في الحصار البحري، واستهداف السفن، والتهديدات كإجراءات تقع تحت عتبة تحمل إيران، فإنه من الواجب والضروري على الجمهورية الإسلامية أن تغير نهجها. يجب على إيران أن تخفض عتبة تحملها إلى درجة تجعل أي إجراء يؤدي إلى انتهاك وقف إطلاق النار يُعتبر بمثابة هجوم شامل، وأن ترد عليه ردا قاسياً. في واقع الأمر، لا ينبغي أن تُرسم عتبة التحمل في الظروف الراهنة بشكل يشعر معه العدو بالأمان. ثانياً، يجب على إيران أن تركز كل قدراتها الدبلوماسية والميدانية على هذه القضية: إذا كان لابد من العودة إلى الحرب، فلتُبدأ هذه الحرب في أسرع وقت ممكن، وعندما تبدأ، فليمتد نطاقها وشدتها إلى درجة تغير حسابات الطرف الآخر إلى الأبد. في مثل هذا السيناريو، لن يكون الوقت في صالح ترامب، وستفشل تمبوقراطيتة.
لعل الوقت قد حان لأن يقول أحدهم لترامب: “سيد الرئيس، ارجع، ارجع وأنت قد قبلت الهزيمة”
*كاتب وأكاديمي ايراني
لماذا يماطل ترامب.. وماذا على إيران أن تفعل؟
