اليمن الحر الأخباري

هل تضع السعودية واليمن حداً لحرب الاستنزاف؟

عبدالفتاح الصناعي*
تظلّ اليمن والمملكة العربية السعودية جارتين بحكم الجغرافيا والتاريخ، وهي حقيقة لا يمكن لأي تحوّلات داخلية أو إقليمية أن تغيّرها. لكن ما يتغيّر—وغالباً بشكل مؤلم—هو شكل العلاقة بين البلدين، التي تأرجحت بين التوافق والصدام، وفق حسابات السياسة وتقلبات المصالح.
خلال العقود الماضية، دفعت الأطراف المختلفة كلفة باهظة نتيجة صراعات لم تُفضِ إلى نتائج حاسمة. بل إن كثيراً من تلك المواجهات انتهى—بعد استنزاف طويل—إلى لحظات تفاهم متأخرة كان يمكن الوصول إليها بكلفة أقل بكثير. وهو ما يطرح سؤالًا ملحًّا: لماذا نُصرّ على إعادة إنتاج تجارب أثبتت فشلها؟
اليوم، تبدو هناك ملامح مقاربة مختلفة، حيث تسعى السعودية إلى التعامل مع مختلف القوى اليمنية بمنطق أكثر براغماتية، يهدف إلى فتح أفق عام للأزمة بدل تعقيدها. وفي المقابل، يظل من حق القوى اليمنية أن تختلف مع الرياض، كما من حق الأخيرة أن تختلف معها؛ لكن التحدي الحقيقي يكمن في إدارة هذا الاختلاف دون أن يتحول إلى صراع مفتوح يدفع الجميع ثمنه.
إن تحويل “معاداة الآخر” إلى شعار سياسي لم يعد مجديًا، بل أثبت أنه أحد أبرز أسباب إطالة أمد الأزمات. فالتجارب السابقة، ومنها تجربة الحزب الاشتراكي اليمني والتيارات القومية التي اتخذت مواقف صدامية، تكشف بوضوح أن التصعيد لا يصنع استقراراً، وأن التفاهم—حتى وإن جاء متأخرًا—يبقى المسار الأقل كلفة والأكثر واقعية.
في هذا السياق، يروي نقاشٌ هاتفي مع عبدالرحمن العلفي، أمين عام التحالف المدني للسلم والمصالحة الوطنية، جانبًا من القراءة الواقعية لما يجري. إذ عبّر عن “أملٍ حذر” إزاء التحركات الأخيرة، معتبرًا أن اللقاءات تعكس قدرًا من الذكاء السياسي لدى الأطراف في محاولة تجنيب المنطقة كلفة صراع إضافي، في ظل تعقيدات المشهد الدولي.
وأشار العلفي إلى أن أنصار الله باتوا رقماً صعباًفي المعادلة اليمنية، سواء اتُّفق معهم أو اختُلف، وأن الحفاظ على ما يمتلكونه من أوراق قوة لم يعد مرهونًا بالتصعيد، بل بمدى قدرتهم على إدارة تفاهمات سياسية حقيقية، خصوصًا مع السعودية، بما يسهم في تثبيت الاستقرار وقطع الطريق أمام أي محاولات لخلط الأوراق إقليميًا.
كما دعا إلى تفاعل إيجابي من مختلف القوى الوطنية مع مبادرات السلام، مؤكدًا أن المرحلة تتطلب تغليب المصلحة العامة، والعمل على بناء أرضية مشتركة تُنهي حالة الاستنزاف، وتعيد الاعتبار للقيم الوطنية، وتفتح الباب أمام إعادة الإعمار وإنهاء الانقسامات.
اليوم، تقف مختلف القوى، بما فيها المجلس الانتقالي الجنوبي، أمام اختبار سياسي حقيقي: هل تواصل الدوران في حلقة الصراع، أم تتجه نحو بناء مقاربات جديدة تستند إلى المصالح المشتركة وتوازنات الواقع؟
في هذا الإطار، تأتي اللقاءات الأخيرة بين اللجنة العسكرية والسعودية في الأردن كمؤشر على وجود إرادة-وإن كانت حذرة- للبحث عن مخارج سياسية. وهي إرادة تحتاج إلى دعم داخلي من مختلف القوى الوطنية، وإلى خطاب أكثر نضجًا يتجاوز منطق المكاسب الآنية إلى حسابات الاستقرار طويل الأمد.
إن التحدي اليوم لا يكمن في تحقيق انتصار سياسي لطرف على حساب آخر، بل في تجنيب اليمن والمنطقة مزيدًا من الانزلاق نحو صراعات تستنزف الجميع. فالحفاظ على ما تبقى من مقدرات الدولة، وإعادة بناء ما دمرته الحرب، يتطلبان توافقاً حقيقياً، لا مجرد هدنة مؤقتة.
وفي نهاية المطاف، لا يمكن لأي طرف أن يحقق استقراراًمنفرداً. وحدها الشراكة الوطنية-المرتكزة على الواقعية السياسية والمصلحة المشتركة-قادرة على إنهاء دوامة الصراع، وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة عنوانها السلام المستدام.
*عن راي اليوم

 

Exit mobile version