عبدالفتاح الصناعي*
يظل اليمن جزءاً أصيلاً من محيطه الخليجي، لا تفصله عنه الجغرافيا ولا التاريخ، وتجمعه به شبكة معقدة من المصالح والتداخلات. ورغم ما مرّ به من أزمات وصراعات خلال السنوات الماضية، فإن موقعه الاستراتيجي وثقله الجغرافي على خطوط الملاحة الدولية يجعلان منه عنصراً حاضراً في أي تصور جاد لأمن واستقرار المنطقة.
لم يعد النظر إلى اليمن بوصفه ملفاً أمنياً طارئاً كافياً لفهم تعقيد المشهد أو التعاطي معه. فالمعادلة باتت أوسع من مقاربات الاحتواء، وأعمق من إدارة الأزمات. واليمن، بما يملكه من موقع حيوي وإمكانات بشرية كامنة، يمكن أن يتحول من مساحة توتر إلى ركيزة استقرار، إذا ما أُعيدت صياغة العلاقة معه ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
في هذا السياق، يبرز البعد الاقتصادي والجيوسياسي لليمن بوصفه عنصرًا بالغ الأهمية في معادلة أمن الطاقة والممرات البحرية. فاستقراره لا ينعكس داخلياً فحسب، بل يمتد أثره إلى منظومة التجارة العالمية وخطوط الإمداد الحيوية، ما يجعل من الاستثمار في استقراره خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد، لا مجرد استجابة ظرفية للأزمات.
إن الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى صناعة الحل يتطلب مقاربة إقليمية أكثر شمولاً، يكون فيها مجلس التعاون لدول الخليج العربية فاعلاً رئيسياً في بلورة رؤية متكاملة تجاه اليمن، تقوم على خطط تنموية وسياسية ممتدة، تعالج جذور الاختلالات لا أعراضها، وتضع أسسًا لاستقرار مستدام.
وتأتي في مقدمة هذه التحديات ضرورة إنهاء دوائر الصراع السياسي والاجتماعي، وتفعيل مسارات المصالحة الوطنية، إلى جانب معالجة الملفات الاقتصادية العميقة المرتبطة بالفقر والبطالة، فضلاً عن التعامل مع التحديات الاجتماعية التي تعيق أي مشروع تنموي حقيقي. فبناء الدولة المستقرة لا يتحقق إلا بتكامل الأبعاد الأمنية والتنموية والاجتماعية.
وفي المقابل، يمتلك اليمن رصيداً بشرياً وثقافياً وتاريخياً قادراً على أن يشكل إضافة نوعية للمنظومة الإقليمية، إذا ما أُحسن توظيفه ضمن رؤية تكاملية واضحة. ومن هنا، فإن الحديث عن إدماج تدريجي لليمن في محيطه الخليجي لا ينبغي أن يُنظر إليه كطرح نظري، بل كمسار قابل للتدرج عبر برامج واضحة ومراحل مدروسة.
وفي هذا الإطار، تتقاطع هذه الرؤية مع دعوات أوسع لتعزيز التكامل الإقليمي، من بينها ما طرحه خلف الحبتور بشأن إعادة التفكير في أشكال التعاون الخليجي، حيث تبقى القضية اليمنية عنصراً محورياً في أي تصور لإعادة هندسة هذا التكامل على أسس أكثر شمولاً واستدامة.
إن تحويل اليمن إلى مساحة استقرار وشراكة، لا إلى ساحة استنزاف، ليس مهمة مثالية بعيدة المنال، بل مشروع ممكن التحقيق متى ما توفرت الإرادة السياسية، والرؤية الاستراتيجية، والقدرة على إدارة المصالح بعقلية تتجاوز منطق ردود الفعل إلى منطق البناء.
وفي المحصلة، فإن استقرار اليمن لا يمثل شأناً محلياً معزولاً، بل هو جزء من معادلة الأمن الإقليمي، واستثمار مباشر في استقرار الخليج ومستقبله، وخطوة أساسية نحو بناء منظومة أكثر توازنًا وقدرة على مواجهة التحولات والتحديات القادمة.
*عن رأي اليوم
اليمن والخليج.. من جغرافيا الجوار إلى هندسة المستقبل!
