اليمن الحر الأخباري

هل تسرّع الحرب نهاية التفوق الأمريكي!

د. وائل عوّاد*
في لحظات الأزمات المتصاعدة، تقع القوى العظمى غالبًا في فخّ مألوف: الاعتقاد بأن القوة قادرة على فرض النظام على واقع معقد. واليوم، ومع استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، يعود هذا الوهم ليؤثر في التفكير الاستراتيجي بطريقة تهدد استقرار الشرق الأوسط، بل والنظام الدولي برمّته.
تتنامى سردية حادة في بعض الأوساط مفادها أن أمريكا، في ظل صعود الصين وتحدي روسيا، قد تسعى إلى إعادة تثبيت هيمنتها عبر مواجهة مباشرة مع إيران. ووفق هذا الطرح، لا تعود طهران مجرد خصم إقليمي، بل تتحول إلى ساحة رمزية تُحاول واشنطن من خلالها إثبات أنها لا تزال الحكم النهائي في ميزان القوة العالمي. إنها سردية جذابة… لكنها تبسيط خطير.
غير أن رفض هذا الطرح لا يعني تجاهل المؤشرات التي تغذّيه. فهناك بالفعل نقاشات وتسريبات في بعض الأوساط الاستراتيجية في الولايات المتحدة وإسرائيل حول استخدام ورقة الطاقة كأداة ضغط جيوسياسي، بما في ذلك التأثير على تدفقات النفط عبر مضيق هرمز بهدف تضييق الخناق على الصين. هذه النقاشات ليست خيالًا سياسيًا، بل تعكس مستوى من التفكير الواقعي في أدوات الصراع ضمن عالم يتجه نحو تنافس أكثر حدة.
لكن المشكلة لا تكمن في وجود هذا التفكير، بل في الافتراض الضمني بأنه قابل للتنفيذ بشكل محسوب. فتعطيل شريان الطاقة العالمي لن يكون أداة ضغط انتقائية، بل صدمة شاملة تصيب الاقتصاد الدولي بأسره، بما في ذلك حلفاء واشنطن أنفسهم. كما أن الصين، رغم اعتمادها الكبير على الطاقة المستوردة، لم تعد فاعلًا سلبيًا في هذه المعادلة؛ إذ طورت بدائل نسبية، وعززت من مرونتها الاستراتيجية، بما يجعل استهدافها عبر الخليج أداة غير حاسمة.
الأهم من ذلك أن أي محاولة لاستخدام هذا السيناريو قد تؤدي إلى نتيجة عكسية: بدل إضعاف الصين، قد يتم تسريع بناء نظام موازٍ. تسريع التقارب بين الصين وروسيا، وتعزيز الاتجاه نحو بناء أنظمة اقتصادية وتجارية موازية، بدل إضعافها. وهنا تتحول أداة الضغط إلى محفّز لإعادة تشكيل النظام الدولي بطرق لا يمكن التحكم بها.
في هذا السياق، يصبح الوهم الحقيقي ليس في وجود النية، بل في الاعتقاد بإمكانية السيطرة على تداعياتها. فالحروب خاصة تلك التي تمس البنية الحيوية للاقتصاد العالمي لا تُدار بمنطق “التصعيد المحدود”، بل تنزلق بسرعة إلى مسارات تتجاوز حسابات من أطلقها.
ما نشهده إذًا ليس استراتيجية كبرى محكمة، بل حالة انتقال في النظام الدولي؛ حيث تتوزع القوة، وتتداخل الصراعات، وتصبح أدوات السيطرة التقليدية أقل قدرة على التعامل مع التعقيد الذي تحاول ضبطه.
لا تزال الولايات المتحدة، بكل المقاييس، القوة العسكرية والمالية الأبرز عالميًا. نفوذها ممتد، وتحالفاتها واسعة. لكن القوة لم تعد تعني السيطرة كما في السابق. لقد انتهى زمن الأحادية القطبية، وبدأت مرحلة أكثر تعقيدًا وتنافسًا.
وهنا تظهر المفارقة: القدرة على الضرب لا تعني القدرة على التحكم بالنتائج.
إيران تجسد هذه المفارقة بوضوح. فهي ليست قوة عظمى تقليدية، لكنها أيضًا ليست دولة ضعيفة. قوتها تكمن في شبكاتها، وتحالفاتها، واستراتيجياتها غير المتكافئة التي تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية. والاعتقاد بإمكانية “تحييدها” كفاعل استراتيجي هو سوء فهم لطبيعتها ولدورها في بيئة إقليمية معقدة.
أي مواجهة واسعة لن تبقى داخل حدودها، بل ستتمدد إلى العراق وسوريا ولبنان والخليج، حيث تتشابك المصالح وتتفاعل القوى.
الصدمة الاقتصادية ستكون فورية. فـمضيق هرمز سيصبح بؤرة توتر عالمية. وحتى مجرد التهديد بإغلاقه كفيل بإحداث صدمة في الأسواق، ورفع أسعار الطاقة، وتعطيل سلاسل الإمداد.
أما الدول النامية، فستكون الأكثر تضررًا بأزمات معيشية مباشرة، وارتفاع في تكاليف الغذاء والطاقة.لكن التأثير الأعمق سيكون استراتيجيًا.
فأي حرب مع إيران لن تحدث بمعزل عن الصراع العالمي. بالنسبة للصين وروسيا، ستشكل فرصة لإعادة التموضع، وتعزيز النفوذ، وتغذية سردية تآكل الهيمنة الغربية.بدل أن تعزز هذه الحرب موقع واشنطن، قد تسرّع من تراجعه.
هذا لا يعني أننا على أعتاب حرب عالمية ثالثة، لكننا أمام نمط جديد من الصراعات: حروب طويلة، غير حاسمة، تُدار عبر الوكلاء والضغوط الاقتصادية والتكنولوجية.هذه الحروب لا تنتهي بل تتحول.
الشرق الأوسط أصبح ساحة مركزية لهذا النوع من الصراع. وتجارب العراق وسوريا أثبتت حدود القوة العسكرية، وخطورة الفراغات التي تملؤها قوى غير تقليدية.تكرار هذا النموذج على نطاق أوسع لن يكون تعبيرًا عن القوة بل عن الجمود الاستراتيجي. السؤال الحقيقي لم يعد: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تتحرك؟بل: هل تستطيع أن تختار عدم التصعيد؟لأن الخطر الأكبر ليس حربًا واحدة… بل سلسلة استنزافات.فالقوى العظمى لا تسقط عادة بضربة واحدة، بل تتآكل عبر التمدد المفرط والانخراط في صراعات بلا نهاية.البديل ليس النصر بل التورط.والخروج من هذا المسار يتطلب إعادة تعريف القوة ليس كقدرة على التدمير، بل كقدرة على ضبط النفس.لأن تدمير حضارة ليس استراتيجية بل فشل في الخيال السياسي.
فإيران، بتاريخها العميق وتركيبتها المعقدة، لا يمكن اختزالها إلى هدف عسكري. كما لا يمكن إعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة دون تداعيات واسعة.وفي النهاية، لا يكمن السؤال في ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على التحرك بل في ما إذا كانت قادرة على اختيار عدم التصعيد.لأن الرهانات تتجاوز نزاعًا واحدًا أو منطقة واحدة. إنها تمس طبيعة النظام الدولي نفسه .هل سيتشكل عبر دوامات الصراع، أم عبر الجهد الأصعب: التعايش.وكما تمرّ التيارات عبر مضيق هرمز، فإن هذا الخيار لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية. من مضيق هرمز إلى أسواق النفط المرتبكة، ومن صمت المفاوضات في إسلام آباد إلى تصاعد القناعة في إيران بأن الردع النووي لم يعد خيارًا بل ضرورة تتشكل لحظة أخطر مما يبدو.لم تعد المسألة كيف تُفرض القوة، بل كيف تنفلت.لأن الحروب التي تبدأ بهدف الاحتواء… تنتهي بإطلاق ما لا يمكن احتواؤه.
وعندما يحدث ذلك، لن يكون السؤال من انتصر بل من أشعل النار أولاً ولم يستطع إخمادها.

Exit mobile version