سند الصيادي*
استنفدت الولايات المتحدة الأمريكية كامل أوراقها التي كانت تراهن عليها لصناعة نصرٍ حاسم وفرض حالة الاستسلام على الطرف الآخر، واليوم، تقف واشنطن أمام معضلة استراتيجية خانقة: فهي تغرق في مستنقع حسابات التراجع المهين مقابل استمرارٍ مستنزفٍ لا أفق له، وبين خيار الانكفاء الذي يكرّس هزيمة المشروع، والتمادي الذي يعمّق المأزق الداخلي والخارجي، ما يؤكد أن زمام المبادرة قد خرج من يد الإدارة الأمريكية، وأن قواعد اللعبة الجديدة باتت تُكتب بيد من صمدوا وفرضوا معادلاتهم.
كشفت الوقائع الميدانية- بعد شهرين من العدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران، وبعد أسابيع من توقف العدوان العسكري- عن فشل الرهان الأمريكي في استنزافها عبر سياسة “اللا سلم واللا حرب”، فالرد الإيراني لم يكن نظرياً، و جاء عملياً وحاسماً عبر احتجاز 3 سفن مقابل كل سفينة إيرانية تُحتجز.
إيران اليوم تكرس مبدأ استراتيجياً واضحاً، مفاده “إما أمن الملاحة وتصدير النفط للجميع، أو لا أحد”، هذا الإجراء، المدعوم بقانونية المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، حوّل مضيق هرمز من نقطة ضغط أمريكية إلى ساحة لفرض طهران سيطرتها على إيقاع الحرب والسلم الإقليمي.
وبالتوازي، أثبتت القدرة على تصدير أكثر من 10 ملايين برميل نفط واختراق الحصار، أن “شل القدرات البحرية” مجرد وهم أمريكي وأفلام هوليودية ، لتنتقل إيران من موقع المدافع عن الحق في التصدير إلى موقع الفارض لشروطه برتم المعادلة الجيوسياسية التي رسمها.
ومن المفارقات أنه وبينما كانت واشنطن تراهن على انقسام في طهران، إذا بالواقع يظهر جبهة إيرانية متماسكة شعبياً وعسكرياً وسياسياً، في مقابل إدارة أمريكية تتصرف بعقلية تجار البورصة بعيداً عن مصالح شعبها واستقرار العالم، حيث تتكشف أمام العامة والخاصة تآكل هيبة أمريكا والإدارة الأمريكية، وما استقالة وزير البحرية ورئيس الأركان وأربعة وزراء آخرين إلا دليلا على مدى التفتت والتذمر الداخلي في بنية النظام الأمريكي، وعلى عجز “عقلية الصفقات الترامبية” عن إدارة حرب لا تفهمها.
هذا التآكل يؤكد مقولة أن أمريكا تعيش “أيامها الأخيرة” كقطب أوحد، في ظل مؤشرات انقسام عمودي قد يصل إلى حرب أهلية، وهو ما يحول الحرب على إيران إلى عامل مفجر للأزمة الداخلية الأمريكية.
في المقابل، تؤكد تطورات لبنان أننا أمام جبهة واحدة متماسكة، تصعيد المقاومة الإسلامية في لبنان وإسقاطها طائرات الاستطلاع واستهدافها المباشر للخروقات الإسرائيلية، هو تطبيق ميداني للمبدأ الذي بات موحدا من إيران إلى اليمن، فرض معادلة “الردع المتبادل والمباشر” بدلاً من تلقي الضربات.
وفي المحصلة، فإن المقاومة اللبنانية بهذه التحركات قد منحت نفسها بعداً سيادياً وقانونياً داخلياً، رغم محاولات تحميلها مسؤولية التصعيد، وأكدت أن زمام المبادرة انتقل من يد المحتل إلى يد قوى المقاومة، وكما تكسر إيران الحصار البحري، تكسر المقاومة اللبنانية محاولات فرض وقائع أحادية على الحدود، ليتشكل نسيج إقليمي جديد متماسك وصلب يرفض الإملاءات الأمريكية والصهيونية.
المعركة إذن لم تعد صراع نفوذ ، إنما مخاضاً بات محكوما بالوقت فقط نحو ولادة نظام إقليمي ودولي جديد، فالمحور قد فرض هذا الانتقال الاستراتيجي بداية من الصمود إلى المبادرة، على قاعدة “لا تنازلات تحت النار”.
لقد سقطت استراتيجية “الحصار والاستنزاف” الأمريكية، ليس بوصفها خطة عابرة أخفقت في تحقيق أهدافها المباشرة فحسب، بل باعتبارها تعبيرًا عن مرحلة كاملة كانت تقوم على فرض الإرادة بالقوة، وخنق الشعوب بالعقوبات، وإدارة الأزمات بدل حلها. فقد أثبتت الوقائع أن سياسة الضغط الأقصى لم تنتج استسلامًا، وأن محاولات العزل لم تُسقط إرادة الدول والشعوب، على العكس فقد دفعتها إلى بناء بدائلها، وتنويع تحالفاتها، وتعزيز قدراتها الذاتية.
ومن هنا بدأ العد التنازلي لمرحلة القطب الواحد التي لم تعد تستطيع فيها واشنطن كتابة قواعد اللعبة بمفردها أو توزيع الأدوار على الآخرين وفق مصالحها وحدها.
إن العالم اليوم يتجه، بثبات، نحو توازنات جديدة أكثر تعقيدًا وتعددًا، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لصناعة القرار، ولم تعد العقوبات أداة مضمونة لإخضاع الخصوم، ولم تعد الهيمنة الإعلامية قادرة على حجب حقائق الميدان.
لقد ولّى زمن “العربدة” السياسية والعسكرية، وبدأ زمن الحسابات الدقيقة، والندية، وتكافؤ المصالح، والاعتراف بأن أي نظام دولي لا يقوم على العدالة والاحترام المتبادل سيظل مرشحًا للانفجار والتصدع.
*نقلا عن الثورة
