نسيمة عبد الرحمان*
إذا فكّر المرء يومًا في المصالحة مع خصمه، فإنّ أدنى شروط هذه المصالحة هو وجود أرضية مشتركة، قائمة على حجج تمكّن كلا الطرفين من الاستناد إليها، لكي تُثمر وتُكلَّل بالنجاح. لكن أين تكمن المفارقة؟ عندما يكون خصمك عدوًا قديمًا، يمتدّ وجوده لعقود، وتحمل مخططاته العمر نفسه، قائمة على الاستيلاء على أرضك واستغلال خيراتك.واقفًا على شرفات بيتٍ انتزعه من صاحبه، مستضعفًا أهله، ومستقويًا بحليف يتقاسم معه الصفات ذاتها: التسلّط، والتملّك، والاستغلال، في وضعية المفترس الذي يتربّص بفريسته كلما أتيحت له الفرصة.
ad
هذا المفترس يضع نفسه، منذ الحروب الأولى، في موضع الضحية، دون أن يدرك أنّه احتكر العدوانية. ولم يتوقّف يومًا عن تكرار سرديّته الكاذبة بأنّ وجوده مهدّد، حتى كاد هو نفسه يصدّقها.
فإذا كان خصمك يتجاهل الأعراف والمبادئ التي تنظّم العلاقات الإنسانية بين الشعوب، فلا تمدّ له يدك، لأنّه سيفترسها عندما يشعر بضعفك،ولا يجوز بذالك لان اول الضحية هم اولادك .
الكيان الصهيوني يمارس قوّة تدمير وشراسة عنف لم تعرفهما البشرية من قبل، ولا ينسجمان مع منطق الإنسانية. كلّ ما تعانيه هذه المنطقة يتمّ بدعم وتصديق من الولايات المتحدة الأمريكية.
أستحضر في هذا السياق زيارة الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك إلى فلسطين المحتلة، حيث التقى بمسؤولي الكيان الصهيوني، وقال: «كنت أظنّ أنّ إسرائيل ليست سوى الولاية الحادية والخمسين للولايات المتحدة الأمريكية، لكن بعد زيارتها مرّتين اكتشفت أنّ الولايات المتحدة ليست سوى مساحة شاسعة تُسَيِّرها إسرائيل»
كيف يمكن أن نذهب لنصافح أيديًا ملوّثة بدماء أبنائنا التي تُهدر يوميًا، وأن نثق بعدوٍّ يهدم بيوتنا وقرانا، وقد بلغ بنا الأمر أن نحسن الظنّ به؟ كمن يدخل المسجد للصلى وبيده كاس من الخمر. إلا إذا…!أليس من العار أن يكون هناك طرفٌ ساذج يصدّق ما يُملى عليه من صديق في الشكل، عدوّ في المضمون؟ متى كان عدوّك مخلصك؟.
إنّ لبنان ينزف، وشعبه يُنقَل من مكان إلى آخر تحت وطأة هوى وتهديدات العدو الصهيوني. والأشدّ مرارة أنّ في الداخل من يُصفّق لهذه المعاناة أو يبرّرها، متغافلًا عن حقيقةٍ ثابتة: أنّ العدو لا يفرّق بين أبناء الوطن الواحد، بل يرى في الجميع هدفًا، ويغذّي الانقسام ليُضعف الصفوف ويُحكم السيطرة.
وحين تنشغل الأصوات الداخلية بالتبرير أو التناحر، يتحوّل الألم الجماعي إلى فرصة يستثمرها العدو لتعميق الجراح، فيغدو النزف أطول، ويصبح الخطر أقرب. فالمأساة لا تكمن فقط في العدوان، بل في غياب الوعي الذي يحصّن الداخل ويمنع استغلال هذا النزف المستمر
ما أكثر الضجيج وما أقلّ الحجيج، وهذا ينطبق على بعض المنظّرين والمحلّلين الذين يلومون المقاومة على التضحية من أجل الحفاظ على تراب يحتضن أقدم شجرة زيتون التي عرفها تاريخ البشرية منذ القرن التاسع.
لان العدو الصهيون لا يتغذى إلا من شجرة الزقوم مما يعلل عشقه لسفك الدماء.
المقاومة وُجدت لتُعيد للشعوب أوطانها وتصون كرامتها، لأن الجهاد عقيدة وفكر لا يعرفه إلا الشرفاء. نريد من المبصرين تخفيف الآلام وإنعاش الآمال، لا حقن الفتن في ظلّ المحن
و يبقى النضال قناعة لا تنطفئ، ويتحوّل إلى موروث يترسّخ في وجدان الأجيال، كتلك الشجرة التي يحاول العدو اقتلاعها، إلا أنّ جذورها راسخة في عمق الأرض إلى الأبد.
*كاتبة جزائرية
اليد المذلولة.. من شيراك الى لبنان!
