اليمن الحر الأخباري

امريكا وايران.. زعيمان ومأزقان!

جاسم العزاوي*
بدأ تقوض السياسة الأمريكية تجاه إيران بفعل هدمٍ واحد؛ فحينما انسحب ترامب من “خطة العمل الشاملة المشتركة” في مايو 2018، قام بتفكيك إطار عمل كان قد نجح — رغم عيوبه — في تمديد “زمن الاختراق” النووي الإيراني من شهرين أو ثلاثة إلى أكثر من عام. وقدر “مركز كوالترول بالأسلحة وعدم الانتشار” أنه بعد الانسحاب الأمريكي، سينهار زمن الاختراق ليصل إلى أسبوعين فقط. لقد ذهب الاتفاق، لكن الخطر بقي. وما حل محله لم يكن سوى موقفٍ صُبِغ بصبغة الاستراتيجية: “الضغط الأقصى”، وهي حملة ضيقت الخناق على طهران بينما ضيقت في الوقت ذاته خيارات واشنطن نفسها. وبمرور الوقت، اقتربت إيران تدريجياً من القدرة على امتلاك أسلحة نووية، ولم يقترب نهج إدارة ترامب بالولايات المتحدة خطوة واحدة من أهدافها المعلنة.
وكل خطوة لاحقة زادت من عمق الفخ؛ حيث تم تفريغ الدبلوماسية من محتواها، ورفع الاستعراض العسكري سقف المخاطر دون تقديم خارطة طريق. أما الحلفاء الأوروبيون والخليجيون — المتشككون في الانجرار إلى صراع لم يشاركوا في تصميمه — فقد قاوموا الضغوط للانصياع. ووجد الرئيس الذي وعد بأن أمريكا ستتحرك بمفردها نفسه معتمداً على شركاء قضى سنوات في تهميشهم. وكما أشار محللون في “معهد بيكر”، فإن “الضغط الأقصى أدى إلى تضييق الخيارات الأمريكية”، مما ترك واشنطن متمسكة بورقة لا تستطيع اللعب بها ولا التخلي عنها.
لم يكن هذا التهور وليد الصدفة، بل كان له شريك في الصياغة. فمنذ أواخر التسعينيات، سعى نتنياهو لجر الولايات المتحدة إلى حرب مع إيران، وهي حقيقة أدركتها إدارة بايدن بعد فوات الأوان، واختارت إدارة ترامب تجاهلها. ومنذ عام 1992، عندما خاطب نتنياهو الكنيست الإسرائيلي كعضو برلمان، دأب على الزعم بأن طهران لا يفصلها سوى سنوات عن امتلاك قنبلة نووية — وهو تحذير تجاوز تقييمات الاستخبارات المتغيرة والتطورات الدبلوماسية لأكثر من ثلاثة عقود. رسم خطوطه الحمراء في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وضغط على الكونغرس الأمريكي، وقتل “خطة العمل الشاملة المشتركة” خفية؛ إذ سبق عرض نتنياهو الاستخباراتي بعنوان “إيران كذبت” إعلان ترامب للانسحاب بأسبوع واحد فقط. كانت حملته بلا هوادة، وأيديولوجية، وناجحة في نهاية المطاف.
وكل خطوة لاحقة زادت من عمق الفخ؛ حيث تم تفريغ الدبلوماسية من محتواها، ورفع الاستعراض العسكري سقف المخاطر دون تقديم خارطة طريق. أما الحلفاء الأوروبيون والخليجيون — المتشككون في الانجرار إلى صراع لم يشاركوا في تصميمه — فقد قاوموا الضغوط للانصياع..
أسير صورته: حرب ترامب على إيران وسياسات الأنا
يرى “تريتا بارسي”، نائب الرئيس التنفيذي لمعهد “كويسي لفن الحكم المسؤول”، أن “ترامب لم يكن مهووساً بالحرب مع إيران بنفس الطريقة التي كان عليها نتنياهو لمدة 25 عاماً”. ويضيف: “ترامب لم يكن ليذهب في هذا الاتجاه من تلقاء نفسه، لكن الإسرائيليين نجحوا في إقناعه بأن هذا أمر يجب عليه القيام به”. وكانت النتيجة، بحلول يونيو 2025، ضربات جوية أمريكية على المنشآت النووية الإيرانية في “فوردو” و”نطنز” و”أصفهان” — وبحلول فبراير 2026، عملية عسكرية مشتركة واسعة النطاق تهدف، خطابياً على الأقل، إلى تغيير النظام. ومن وجهة النظر الإسرائيلية، لاحظ بارسي أن “الأمر لم يكن يتعلق بالقضية النووية لأكثر من ثلاثة عقود، بل كان يتعلق بالهيمنة في المنطقة.”
وقد أقر محللو نتنياهو أنفسهم بحسابات الفشل في الإنجاز. فبعد حرب يونيو 2025، اعترفت شخصية استخباراتية إسرائيلية قائلة: “لقد ألحقنا ضرراً مدمراً للغاية بالمشروع النووي، لكننا لم ننهِ المهمة” — حيث لا تزال إيران تحتفظ بمئات الكيلوغرامات من اليورانيوم عالي التخصيب في أنفاق تحت الأرض. أعلن نتنياهو عن “نصر تاريخي، سيدوم لعقود”، وبعد ثمانية أشهر، كان يعلن عن عملية جديدة. للتاريخ كلمة واحدة تصف هذه الدورة: إنها ليست نصراً.
أعلن نتنياهو عن “نصر تاريخي، سيدوم لعقود”. وبعد ثمانية أشهر، كان يعلن عن عملية جديدة. للتاريخ كلمة واحدة تصف هذه الدورة: إنها ليست نصراً.
ولبنان هو الدليل؛ ففي عام 1982، وصلت إسرائيل إلى بيروت واحتلت الجنوب لثمانية عشر عاماً. قاتل حزب الله القوات الإسرائيلية خلال ذلك الاحتلال، وفي عام 2006، ومرة أخرى في 2023-2024 — وانتهت كل جولة دون التحول الاستراتيجي الذي سعى إليه الكيان. غزا نتنياهو لبنان في أكتوبر 2024 بهدف معلن هو تدمير قدرات حزب الله العسكرية، محذراً سكانه البالغ عددهم ستة ملايين نسمة من أنهم يواجهون “الدمار والمعاناة كما نرى في غزة”. ومع ذلك، وكما لاحظ باحث في جامعة برانديز، كان نتنياهو دائماً متشككاً للغاية في التحركات الكبرى، وهو يشاهد أسلافه مثل بيغن وباراك وشارون وهم يخوضون مخاطر كبيرة — غزو لبنان عام 1982، كامب ديفيد، فك الارتباط مع غزة — ولم ينتهِ أي منها بشكل جيد. إنه يعرف التاريخ، لكنه كرره على أي حال.
محادثات بلا توازن: لماذا يظل طهران وترامب حبيسي التصعيد
اعتباراً من عام 2025، تحتفظ إسرائيل بقوات في خمسة مواقع في جنوب لبنان وتواصل تنفيذ عمليات عسكرية تستهدف حزب الله، بما في ذلك ضربات على بيروت. إن حزب الله، المتجذر في تلال وقرى الجنوب، ليس جيشاً يمكن تدميره من الجو؛ بل هو كيان سياسي وعسكري صمد أمام الاحتلال الإسرائيلي من قبل — وسيشن حملة عصابات مهما طال الزمن. وقد حذر البروفيسور “ولي نصر” من احتمال انجرار الولايات المتحدة إلى وضع “المستنقع”، حيث تطول الحرب وتفقد شعبيتها حتى لو كان هناك بعض الحماس الأولي لها. لقد كان محقاً بشأن العراق، وقد يكون محقاً مرة أخرى.
الدرس المستفاد من هاتين المغامرتين الفاشلتين واحد: التباهي بالقوة ليس بديلاً عن الاستراتيجية، وحلم الهيمنة الإقليمية ليس سياسة أمنية. لقد حاصر ترامب نفسه بخلطه بين تدمير إطار عمل وبين ممارسة القوة. أما نتنياهو، فقد أمضى ثلاثين عاماً في هندسة مواجهة مع إيران، وهو الآن يتحمل تبعات ذلك — البرنامج النووي غير المكتمل، وتجذر حزب الله، والمنطقة المشتعلة. وبينما يبدي معظم الإسرائيليين استعداداً لتحمل الصعاب الحالية، فإنهم يريدون معرفة ما إذا كانت هذه هي “الجولة الأخيرة المراوغة — الجولة التي ستقضي على التهديد الوجودي الذي تشكله إيران منذ عقود”. ويشير التاريخ إلى أن هذا الضمان ليس بيد نتنياهو ليعطيه.
حين يخطئ القادة فيعتبرون الهوس رؤيةً، والانتقام سياسةً، فليسوا هم من يغرقون في مياه الخليج، أو رمال الشام المتحركة، أو تلال لبنان المتموجة. بل هم الشعوب التي يقودونها — والشعوب القابعة على الطرف الآخر من كل حدودٍ عبروها.
*كاتب عراقي

Exit mobile version