د.رجب السقيري*
بعد انهيار الإتحاد السوفييتي في مستهل تسعينيات القرن الماضي وتسيد الولايات المتحدة على رأس النظام الدولي لمدة تزيد الآن عن ثلاثة عقود ونصف ، بدأت واشنطن ترتيب أوراقها للحفاظ على زعامتها للنظام العالمي ومنع أيٍ من القوى الكبرى خاصةّ روسيا والصين من منافستها فيما وصلت إليه ، الأمر الذي جعلها تركز كل جهودها على دعم قوتها العسكرية التي بلغت الآن مستوى غير مسبوق لم تصل إليه أية قوة عسكرية عالمية في التاريخ الحديث أو القديم . إذ أن القواعد العسكرية الأمريكية منتشرة في جميع قارات العالم ويزيد عددها عن ثمانمائة قاعدة يضاف إليها أحد عشر حاملة طائرات وأعداد كبيرة من البوارج والسفن والغواصات المرافقة لها وسلاح جو هو الأضخم والأقوى في العالم . ورغم أن الصين قد زادت مؤخراّ سفنها الحربية حتى تفوقت من حيث العدد على البحرية الأمريكية ، إلا أن القوة العسكرية الأمريكية في البحار والمحيطات والجو والبر هي الأولى في العالم .
حروب أمريكا
لكن الحروب والتدخلات العسكرية التي شنتها واشنطن منذ انتهاء الحرب الباردة وتزعمها للنظام الدولي أحادي القطبية تزيد عن عشرة بين حروبٍ كبرى وحروب بالوكالة مثل حرب أوكرانيا وتدخلات بالاشتراك مع حلفائها في الناتو وحلفاء آخرين وكان أهمها : حرب الخليج الثانية عام ١٩٩١ وحرب أفغانستان عام ٢٠٠١ التي استمرّت عشرين عاماّ وغزو العراق عام ٢٠٠٣ وحرب الإثني عشر يوماّ في العام الماضي (٢٠٢٥) ضد إيران ، ثم الحرب القائمة حالياّ مع إيران (٢٠٢٦) ، إضافة إلى تدخلات عسكرية قامت بها وحدها أو بالتشارك مع غيرها وشملت البوسنة والهرسك ، والصومال وليبيا وسوريا واليمن والنيجر والساحل الإفريقي وحرب أوكرانيا التي خاضتها بالوكالة وإلى جانبها حلفاؤها في الناتو خلال السنوات الأربع الأخيرة . وقد كانت الولايات المتحدة خلال تلك الحروب تجمع الحلفاء حولها وتغريهم أحياناّ بالمشاركة في مجهوداتها الحربية بإسقاط ديون تلك الدول أو تقديم الدعم الإقتصادي لها بأية سبلٍ أخرى . وقد كان هدف تلك التحالفات ذر الرماد في العيون والالتفاف على القانون الدولي ومحاولة الظهور بأنها (أي واشنطن) تعمل ضمن ألأطر التي يعمل بها مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة وتنأى بنفسها عن انتهاك النظام الدولي وقوانينه وشرائعه والذي كانت الولايات المتحدة على رأس مؤسسيه بعد الحرب العالمية الثانية .
روسيا وريثة الاتحاد السوفيتي
منذ البداية لم تحسب الولايات المتحدة حساباّ لروسيا ، بل عملت على اختراق قيادتها في السنوات الأولى التي تلت تفكك الإتحاد السوفيتي وبالذات في عهد بوريس يلتسين ، ونجحت واشنطن إلى حد كبير في ذلك وعملت جاهدةّ ألا تجعل من روسيا شريكاّ لها يقاسمها زعامة النظام الدولي ثنائي القطبية الذي كان سائداّ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وطوال فترة الحرب الباردة مع الإتحاد السوفيتي ، رغم أن روسيا كانت الوريث الشرعي الكبير والأكثر أهمية للإتحاد السوفيتي ولكنها ورثته بلا أسنان وبلا اقتصاد قوي سوى ترسانة الأسلحة النووية التي تعادل أو ربما تفوق قليلاّ ما لدى الولايات المتحدة ، لكن الأخيرة تتفوق على روسيا فيما يتعلق بالأسلحة التقليدية .
الكلفة الاقتصادية لحروب أمريكا
فماذا كانت تكاليف تلك الحروب وآثارها المدمرة على الإقتصاد الأمريكي ؟
لقد نشرت جامعة براون الأمريكية دراسةّ بينت الآثار الإقتصادية لحروب أمريكا منذ أحداث ١١ سبتمبر٢٠٠١ وإلى ما قبل حرب الإثني عشر يوماّ والحرب الحالية على إيران ، حيث تجاوزت تكاليف تلك الحروب خلال العقدين الماضيين ثمانية تريليونات من الدولارات مولتها أمريكا بالاستدانة مما أدى إلى تفاقم عجز الموازنة ووصول الدين العام الأمريكي إلى ما يزيد عن ٣٩ تريليون دولار وهو مستوى يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة .
الكلفة السياسية والأخلاقية
ولكن كلفة الحروب الأمريكية لم تقتصر على الكلف الإقتصادية وحدها بل تجاوزت ذلك بكثير ، إذ أدت تلك الحروب إلى تحميل الولايات المتحدة كلفةّ سياسية وأخلاقية أفقدتها قوتها الناعمة خاصةّ في عهد الإدارتين الحالية والسابقة ، وخاصةّ بسبب استمرار انحياز واشنطن إلى إسرائيل بعد كل ما قامت به الأخيرة من حرب إبادة في غزة استفزت العالم أجمع ، والآن حرب تهجير وتدمير المدن والقرى في جنوب لبنان ومحاولات لتهجير سكان قطاع غزة والتضييق على الفلسطينيين في الضفة الغربية والإستيلاء على أراضيهم وخنق مقدراتهم الاقتصادية والقضاء على سبل عيشهم وسياسات الفصل العنصري والتطهير العرقي التي تتبعها إسرائيل في الأراضي المحتلة والتحدي السافر للقوانين والشرائع الدولية ،
إضافة طبعاّ إلى النوايا العدوانية التي تعبر عنها الإدارة الحالية ليس فقط إزاء خصومها بل أيضاّ إزاء جيرانها وحلفائها وأطماعها التوسعية والرغبة الجامحة لديها للإستيلاء على مصادر الطاقة والمعادن النادرة في العديد من البلدان الأخرى . كل هذا إضافة أيضاّ إلى حرب التعرفة الجمركية التي شنتها وتشنها الإدارة الحالية على الدول الأخرى دون تمييز بين الخصم والمنافس والصديق والحليف .
كيف استفادت الصين من حروب أمريكا ؟
واجهت الصين تحدياتٍ سياسية وأيديولوجية كبرى من أجل ترسيخ النظام الشيوعي بقيادة الزعيم “ماوتسي تونغ” الذي انتصر عام ١٩٤٩ على حزب “الكومنتانغ” بقيادة “تشنغ كأي تشيك” وأسس جمهورية الصين الشعبية في البر الصيني بينما هرب الأخير إلى جزيرة فرموزا وأسس فيها كياناّ سمي “تايوان” دعمته الولايات المتحدة وحلفاؤها بينما يعترف به حالياّ عدد قليل جداّ من دول العالم .
بعد ماوتسي تونغ بدأ عصر الصين الصاعدة اقتصادياّ مع الانفتاح الذي قاده الزعيم “دنغ هسياو بنغ” اعتباراّ من عام ١٩٧٩ حيث استطاع دنغ الحفاظ على شمولية نظام الحكم الشيوعي في الدولة وبناء اقتصاد سوق رأسمالي في تحولٍ غير مسبوق وأيديولوجية ثالثة تقع في الوسط بين الرأسمالية الخالصة والاشتراكية الناجزة التي تستند في الأصل إلى امتلاك الدولة لجميع وسائل الإنتاج ، ولم يعبأ “دنغ” كثيراّ بأفكار ماركس وإنجيلز ولم يسر على خطى لينين أو ستالين واختط طريقاّ ثالثاّ أوصل الصين بعد عدة عقود إلى المرتبة الاقتصادية الثانية بعد الولايات المتحدة وجعلتها الآن تنافس الأخيرة على المرتبة الاقتصادية الأولى عالمياّ . وقد استغلت الصين بذكاء انشغال الولايات المتحدة بحروبها المكلفة ومضت في تطوير اقتصادها وتنويعه وتوسعت علاقاتها التجارية مع دول العالم واستفادت من توفر الأيدي العاملة الرخيصة . وقد تزامن عصر الانفتاح الإقتصادي في الصين مع اعتراف الولايات المتحدة بالصين الشعبية واعترافها بالصين الواحدة الأمر الذي حال حتى الآن دون استقلال تايوان وكان ثمن ذلك ما قام به في سبعينيات القرن الماضي وزير الخارجية الأمريكي الداهية هنري كيسنجر من إقناع الصينيين بالإنشقاق عن الاتحاد السوفيتي بعد أن كانا حليفين ، مما أضعف الأخير أثناء الحرب الباردة وحقق مكاسب كبيرة للولايات المتحدة .
زيارة ترامب الأخيرة للصين
حمل ترامب في جعبته العديد من الأهداف التي توخى تحقيقها على رأسها فتح مضيق هرمز وإقناع الصين بعدم تزويد إيران بأسلحة حديثة قد تعقد المشهد في الشرق الأوسط إضافة إلى التفاهم حول عدد من المسائل الاقتصادية المعلقة بين الجانبين ، وكذلك تسوية المسألة التايوانية بالوسائل السلمية . واضح أن معظم هذه الأهداف لم يتحقق وباءت الزيارة بالفشل باستثناء صفقة تجارية واحدة هي شراء الصين لمائتي طائرة بوينغ وربما بعض التفاهمات حول التعرفة الجمركية .
لكن الأمر الأكثر أهمية بالنسبة للرئيس ترامب كان ضرورة تعزيز أحادية القطبية في النظام العالمي وترسيخ مكانة الولايات المتحدة كزعيمة وحيدة للنظام الدولي والتأكيد على أن الصين دولة صاعدة اقتصادياّ تنافس الولايات المتحدة لكنها لا تشكل قطباّ ثانياّ يعيد النظام الدولي إلى سيرته الأولى نظاماّ ثنائي القطبية ، فماذا سمع ترامب من الرئيس الصيني حول هذه المسألة الهامة ؟
ما تسرب من أنباء وتقارير صحفية في الإعلام الأمريكي إضافة إلى ما نقل عن وكالة الأنباء الصينية الرسمية شينخوا أن الرئيس شي جينبنغ قد بادر في كلمته الرسمية بتحذير ترامب من تكرار قصة المؤرخ اليوناني القديم “ثوسيديس” حول اسبارطة وأثينا في التاريخ الإغريقي القديم مؤكداّ أن الصين ليست دولة صاعدة وليست منافساّ أو خصماّ للولايات المتحدة وأنها قطبٍ مساوٍ لواشنطن وأن النظام العالمي الآن نظام ثنائي القطبية يتكون من قطبين الولايات المتحدة والصين وهما شريكان لا خصمان ولا متنافسان .
طبعاّ هذا الكلام فاجأ ترامب الذي رد بعبارات إنشائية منمقة واستعراضية كعادته من قبيل “أن مستقبلاّ رائعاّ ينتظر القوتين العظميين أمريكا والصين” وأنه أي ترامب “يتشرف أن يكون صديقاّ لشي جينبينغ” وأن “العلاقات بين البلدين ستكون أفضل من أي وقتٍ مضى ، وسيكون المستقبل رائعاّ لكليهما” .
وعليه ، لماذا يعتبر ما قاله شي جينبنغ تحولاّ تاريخياّ كبيراّ في الخطاب والسردية الصينية ؟ ، تحول يشي بتغيرات كبرى في نظرة الصين إلى نفسها وفي نظرتها إلى الولايات المتحدة ، إذ كانت الصين خلال العقود الثلاثة الماضية منذ أن بدأ انفتاحها الاقتصادي وحتى وقت قريب ترفض مجرد الإشارة إليها على أنها قوة عظمى ، وقد لمست ذلك بنفسي عندما كنت سفيراّ لدى الصين لمدة خمس سنوات في بداية هذه الألفية ، كما لمسه جميع السفراء والدبلوماسيون الذين عملوا في بكين . هذا التحول الكبير ليس مجرد خطاب صيني جديد إلى العالم ، بل من المؤكد أن الصين قد بلغت من التطور الإقتصادي والعسكري إلى مرتبة القطب المكافيء للولايات المتحدة
وأن الزمن الذي كانت واشنطن تتربع فيه وحدها على عرش النظام العالمي قد ولَّى إلى أجلٍ غير مسمى .
*كاتب ودبلوماسي سابق وباحث في العلاقات الدولية والدراسات الدبلوماسية
زعامة النظام الدولي الجديد ثنائي القطبية!
