اليمن الحر الأخباري

منَ الضَّيْفِ إِلَى الْحَدَّادِ عَقِيدَةُ الِاغْتِيَالِ لَنْ تَمْحُوَ عار الهَزِيمَةِ !

د . مهدي مبارك عبد الله*
لم يكن اغتيال القائد العام لكتائب القسام الشهيد عز الدين الحداد مجرد عملية أمنية عابرة في سياق الحرب الطويلة والمفتوحة على قطاع غزة بل بدا أقرب إلى فصل جديد من العقيدة الإسرائيلية القائمة على تصفية الرموز ومحاولة تحويل الدم الفلسطيني إلى وسيلة لإعادة ترميم صورة الردع التي تصدعت منذ عملية طوفان الأقصى سيما وان الرجل الذي وصفته إسرائيل بـشبح القسام وذي الأرواح السبعة لم يكن قائدا ميدانيا عاديا بل أحد آخر الوجوه المؤسسة داخل البنية العسكرية لحركة حركة المقاومة الإسلامية حماس وأحد أكثر العقول التصاقا بعملية إعادة بناء الجناح العسكري بعد سلسلة الاغتيالات التي طالت الصف الأول من قادته
في العمق تبدو عملية الاغتيال امتدادا مباشرا لما يعرف داخل الأدبيات السياسية والأمنية الإسرائيلية بعقدة ميونخ وهي العقدة النفسية والسياسية التي تشكلت بعد عملية عملية ميونخ 1972 حين رسخت المؤسسة الإسرائيلية قناعة مفادها أن أي ضربة تتعرض لها الدولة يجب أن يقابلها انتقام طويل المدى يتجاوز حدود الجغرافيا والزمن بحيث تتحول الاغتيالات إلى عقيدة ثابتة لا مجرد أدوات أمنية ومنذ ذلك التاريخ أصبحت إسرائيل تنظر إلى تصفية الخصوم بوصفها استعادة للهيبة وردا رمزيا على الإهانة الوجودية التي قد تتعرض لها الدولة أو جيشها أو صورتها أمام جمهورها الداخلي

عمليا لم يكن مستغربا أن يتحول عز الدين الحداد إلى هدف مركزي بعد السابع من أكتوبر لأن الرجل بالنسبة للعقل الأمني الإسرائيلي يمثل تجسيدا حيا لفشل المنظومة الاستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية خصوصا وان نجاته المتكررة من محاولات الاغتيال ( 6 مرات ) وتحوله إلى أحد أبرز العقول المشرفة على إدارة الحرب وإعادة ترميم القسام جعلت منه رمزا معنويا خطيرا لا يقل أهمية عن حضوره العسكري الميداني ولذلك فإن اغتياله بالنسبة لنتنياهو لم يكن مجرد إنجاز عملياتي بل محاولة نفسية لاستعادة صورة الدولة القادرة على الوصول إلى خصومها مهما اختبأوا ومهما طال الزمن
طريقة تنفيذ العملية تكشف حجم الإصرار الإسرائيلي على إنهاء الحداد بأي ثمن فقد تحدثت الروايات العبرية عن استخدام ثلاث مقاتلات وإلقاء ثلاث عشرة قنبلة على شقة سكنية كان موجود فيها بحي الرمال إضافة إلى استهداف سيارة خرجت من المكان كانت تحل مصابين بعد القصف بدقائق في محاولة لضمان عدم نجاة الهدف وهو ما يعكس ليس فقط الطبيعة الانتقامية للعملية بل أيضا حجم القلق الإسرائيلي من إمكانية فشلها مرة أخرى خصوصا وأن الحداد سبق أن نجا من محاولات اغتيال عديدة منذ أعوام 2009 و2012 و2021 وصولا إلى الحرب الأخيرة
توقيت العملية لا يبدو منفصلا عن الأزمة السياسية والعسكرية التي تعيشها حكومة بنيامين نتنياهو الذي يواجه يوميا ضغوطا داخلية متزايدة وفشلا واضحا في تحقيق حسم كامل في غزة ويحتاج بصورة مستمرة إلى إنجازات أمنية يعيد عبرها تسويق نفسه أمام المجتمع الإسرائيلي ولذلك جاءت عملية اغتيال الحداد في لحظة تتعثر فيها مفاوضات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار وتتصاعد فيها الاتهامات لنتنياهو بالسعي إلى إطالة أمد الحرب لأسباب سياسية وشخصية
وفق هذا التصور يمكن فهم الإصرار الإسرائيلي على ربط الحداد بعرقلة المفاوضات ومحاولة تصوير اغتياله كخطوة ضرورية لفتح الطريق أمام التهدئة بينما تبدو الحقيقة أقرب إلى محاولة دفع المقاومة نحو رد عسكري يعيد إشعال المواجهة ويمنح تل أبيب مبررا للعودة إلى الحرب المفتوحة وإسرائيل تدرك أن استمرار الهدوء النسبي مع بقاء بنية القسام قادرة على إعادة تنظيم نفسها يشكل اعترافا ضمنيا بفشل أهداف الحرب ولذلك تبدو الاغتيالات جزءا من معركة إدارة الصراع أكثر من كونها حلا نهائيا له.
السؤال الأهم في العملية يبقى مرتبطا بما يعنيه غياب عز الدين الحداد بالنسبة للقسام خاصة وللمقاومة الفلسطينية عموما وهنا تبدو الصورة أكثر تعقيدا مما تحاول إسرائيل الترويج له رغم انه صحيح أن الحداد كان يشكل ركنا محوريا داخل منظومة القيادة العسكرية وأنه لعب دورا بارزا في إعادة ترتيب الهيكل التنظيمي للجناح العسكري بعد اغتيال قادة كبار مثل محمد الضيف ومحمد السنوار إلا أن تجربة القسام خلال العقود الماضية أظهرت أن الحركة بنت منظومتها القيادية على أساس العمل المؤسسي لا الفردي كما طورت آليات داخلية تسمح باستمرار القيادة والسيطرة حتى في أصعب الظروف والمفاجئات.
الملاحظ للمراقبين انه بعد كل اغتيال كانت إسرائيل تعتقد أنها وجهت الضربة القاضية للمقاومة الا انه في الميدان كانت تظهر قيادات جديدة أكثر تشددا وخبرة وقدرة على التكيف مع الواقع وهذا ما حدث بعد اغتيال أحمد الجعبري وما تكرر بعد اغتيال الضيف والسنوار وغيرهما لذلك فإن الرهان على أن تصفية الحداد ستؤدي إلى انهيار القسام يبدو أقرب إلى وهم سياسي وإعلامي منه إلى تقدير استراتيجي واقعي.
الأخطر بالنسبة لإسرائيل قد يكون في النتائج العكسية للعملية حيث غالبا ما تتحول الشخصيات التي يتم اغتيالها إلى رموز قدوة وتعبئة داخل البيئة الفلسطينية ويصبح دمها وقودا إضافيا لاستمرار القتال خصوصا عندما تقترن عمليات الاغتيال بسقوط نساء وأطفال ومدنيين كما حدث في حي الرمال وهذا المشهد الدموي الناتج عن القصف المكثف لا يعزز فقط سردية المظلومية الفلسطينية بل يغذي أيضا مشاعر الغضب والرغبة في الانتقام داخل الأجيال الجديدة.
على المستوى الإقليمي اغتيال الحداد يبعث برسائل متعددة تتجاوز غزة نفسها فهو يؤكد أن إسرائيل ماضية في سياسة الاغتيالات المفتوحة حتى في ظل وجود اتفاقات تهدئة ووقف لأطلاق النار وضمانات دولية كما يكشف ايضا حدود الدور الأميركي الذي يظهر مرة أخرى بوصفه غطاء سياسي وأمني للتحركات الإسرائيلية أكثر من كونه ضامنا فعليا لأي تسوية وهو ما يفاقم أزمة الثقة الإقليمية بواشنطن ويعزز القناعة بأن أي اتفاق يمكن أن ينهار متى تعارض مع الحسابات الإسرائيلية.
حماس وجناحها العسكري تبدوان اليوم أمام اختبار بالغ الحساسية يتعلق بقدرتهما على إدارة مرحلة ما بعد الحداد والحركة مطالبة اليوم ليس فقط بالحفاظ على تماسكها العسكري بل أيضا بإثبات أن الاغتيالات لن تدفعها إلى الفوضى أو الانهيار ومن المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة صعود أسماء جديدة داخل البنية العسكرية مثل محمد عودة وحسين فياض وهيثم الحواجري وغيرهم من القادة الذين ما زالوا يديرون ما تبقى من البنية العملياتية داخل القطاع بشكل منظم.
على ارض الواقع قد تكون إسرائيل نجحت في اغتيال رجل لكنها لم تنجح حتى الآن في اغتيال الفكرة التي يمثلها وجميع الثورات والمقاومات لا تنتهي عادة بمقتل قادتها بل كثيرا ما تعيد إنتاج نفسها بصورة أكثر صلابة وقسوة وما بين عقدة ميونخ التي تحكم العقل الإسرائيلي وعقيدة الصمود التي تغذي بنية المقاومة تبدو المنطقة كلها وكأنها تدخل مرحلة جديدة عنوانها الأبرز أن الاغتيال لم يعد وسيلة لإنهاء الحروب بل صار في كثير من الأحيان وقودا لإطالتها وتوسيعها وتحويلها إلى صراع مفتوح بلا أفق ولا نهاية واضحة والدم سيبقى يستسقي الدم بقوة وخطورة اكبر.
الرسائل الاحتفالية التي أطلقها نتنياهو بعد عملية الاغتيال تعكس في جوهرها أكثر مما تخفي حالة المأزق التي تعيشها حكومته فمنذ أكثر من عامين ونصف من الحرب ما زال النصر المطلق الذي وعد به الإسرائيليين بعيد المنال ولم تؤد العمليات العسكرية المتواصلة ولا الاغتيالات المتكررة إلى القضاء على حماس أو فرض واقع سياسي جديد في غزة.
اغتيال الحداد لن يغير من الحقائق الأساسية الا انه يضيف اسماً جديداً إلى قائمة طويلة من القادة الذين اغتالتهم إسرائيل لكنه حتما لا يحقق الهدف الذي سعى إليه نتنياهو لكسر إرادة حماس وفرض الاستسلام السياسي على الفلسطينيين رغم ما تعانيه الحركة من ضعف وتراجع واضطرارها القبول بوقف إطلاق النار وبعض القرارات دولية من اجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ختاما : يبقى السؤال الحقيقي ليس ماذا حققت إسرائيل باغتيال القائد الحداد بل ماذا سيفعل نتنياهو بعد ذلك هذا العمل الإجرامي خاصة وانه كلما طال أمد الحرب ازداد تردي وانكشاف حدود القوة العسكرية الاسرائيلية وبينما يواصل نتنياهو تسويق كل عملية اغتيال بوصفها خطوة نحو النصر المطلق تكشف الحقائق ان الجيش الاسرائيلي ما زال عاجز وغير قادرة على تحقيق نصر استراتيجي، أو فرض واقع امني وسياسي مستقر حيث بات واضحا جليا أن الاغتيالات لن تستطيع وحدها أن تحسم صراعاً سياسياً وتاريخياً يقود مقاومته ابطال اشاوس وشعب مناضل مهما بلغت التحديات والتضحيات.
*كاتب اردني وباحث مختص في الشؤون السياسية

Exit mobile version