اليمن الحر الأخباري

هل أصبح الشرق الأوسط رهينة قرار واحد؟

د. ميساء المصري*
في هذا الشرق المتعب، تبدأ الحروب حين يصبح السلام نفسه رهينة مزاج السلاح. و لا تبدأ المآسي عندما ينام الناس وهم يعلمون أن قراراً واحداً في غرفة مغلقة قد يبدل مصير ملايين البشر قبل شروق الشمس.
خلال ساعات قليلة، كانت بيروت تقف على شفير سؤال قديم يتكرر منذ عقود. هل سننجو هذه المرة؟ كانت الحقائب تُجهّز، والقلوب تُخفي خوفها خلف روتين الحياة، والشرق الأوسط كله يحدق في السماء منتظراً ضربة قيل إنها قادمة. ثم لم تأتِ. لكن هل الخطر اختفى. ففي منطقتنا لا يقاس الخوف بما وقع، بل بما كان يمكن أن يقع.
الأكثر قسوة أن شعوب الشرق الأوسط باتت تعيش بين تأجيل الحرب والحرب التالية. كل هدنة أصبحت استراحة قصيرة بين جولة وأخرى، وكل اتفاق وقف إطلاق نار تحول إلى موعد مؤقت مع تأزيم أكبر. ولهذا لم يكن الخبر الحقيقي أن الضربة أُلغيت في اللحظة الأخيرة، بل أن مصير عواصم بأكملها ما زال معلقاً بإصبع يقترب من الزناد ثم يتراجع عنه، ليترك الملايين أسرى انتظار لا ينتهي.
خلال الساعات الماضية، انشغل الرأي العام الإقليمي بسيل من التسريبات والتصريحات المتضاربة حول نية إسرائيل توجيه ضربة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، وما تبع ذلك من حديث عن تدخل أمريكي عاجل حال دون تنفيذ العملية. بغض النظر عن دقة كل تفصيل من تفاصيل الروايات المتداولة، فإن ما يستحق التوقف عنده ليس الخبر نفسه، بل ما يكشفه عن طبيعة النظام الإقليمي الذي نعيش فيه.
المشهد الذي ظهر أمامنا كان صادماً، منطقة كاملة حبست أنفاسها بانتظار قرار يصدر من بضعة أشخاص فقط. سكان بيروت يترقبون في حرب دائرة منذ عامين ونصف، والأسواق الطاقوية تراقب، والعواصم العربية تتفرج، بينما العالم بأسره ينتظر معرفة ما إذا كانت طائرة ستقلع أم لا. هذا وحده يكشف حجم الاختلال الذي وصلت إليه معادلات القوة والسلام في الشرق الأوسط.
المأساة أن المنطقة لم تعد تعيش في ظل توازن ردع مستقر، بل في ظل توازن خوف متبادل. إسرائيل تدرك أن أي توسع كبير في المواجهة قد يفتح جبهات متعددة تتجاوز حدود لبنان. وإيران تدرك أن الدخول في حرب إقليمية مفتوحة قد يحمل أثماناً استراتيجية هائلة. أما الولايات المتحدة فتدرك أن أي انفجار جديد قد يهدد الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية في لحظة دولية شديدة الحساسية.
لهذا السبب يبدو التدخل الأمريكي ـ إن صحّت الروايات المتداولة حوله ـ أكثر من مجرد محاولة لمنع ضربة عسكرية. إنه تعبير عن حقيقة أعمق، واشنطن لا تخشى الحرب بحد ذاتها، بل تخشى فقدان السيطرة على مسارها. فالحروب الصغيرة يمكن إدارتها، أما الحروب الكبرى فغالباً ما تخرج من أيدي من أشعلوها.كما أن البرتقالي ترمب يريد تهدئة أسواق النفط بلا شك.
لكن ما يثير الجدل حقاً ليس دور واشنطن، بل موقع العرب في هذه المعادلة. فمنذ سنوات طويلة أصبحت المنطقة ساحة تتقاطع فوقها حسابات القوى الكبرى والقوى الإقليمية، بينما يتراجع الحضور العربي الجماعي إلى الهامش. الجميع يطحن جعجعة عن أمن المنطقة، لكن القليل يتحدث عن قدرة المنطقة نفسها على صياغة أمنها.
إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الضربة أُلغيت أو تأجلت، بل لماذا أصبح مصير عواصم عربية بأكملها مرتبطاً بقرار يصدر من هذا أو ذاك؟ بإدارة العقل الغربي ذو الجهل والغرور والحماقة ،وتنساق دول تمتلك موارد هائلة ومواقع استراتيجية استثنائية إلى ساحات تتنافس فوقها مشاريع الآخرين السياسية ؟ آلا يبدو أن الأمر تجاوز المعقول؟
المشكلة أن جانب أخر من شعوب المنطقة بدأ يتعامل مع هذا الواقع بوصفه أمراً اعتيادياً. خبر عن تهديد بقصف مدينة عربية لم يعد صادماً كما كان. الحديث عن نزوح عشرات الآلاف أصبح رقماً عابراً في نشرات الأخبار. حتى التهديد بات جزءاً من الروتين السياسي اليومي.
وهنا يكمن الألم. فحين تصبح الحرب خبراً عادياً، يصبح السلام استثناءً. من العراق الى غزة وسوريا واليمن والسودان وليبيا ولبنان وغيرها مما سيأتي حين يتحول الخوف إلى جزء من الحياة اليومية، تتآكل قدرة المجتمعات على إدراك حجم الخطر الذي يحيط بها.
قد تكون الضربة قد أُلغيت الآن، وقد تكون المواجهة تأجلت أسبوعاً أو شهراً أو أكثر. لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن المنطقة لا تزال تتحرك فوق طبقات كثيفة من التوترات غير المحلولة. وكل تأجيل للانفجار لا يعني بالضرورة إزالة أسبابه….
السؤال الذي يجب أن يقلق العرب ليس ما إذا كان نتنياهو سيتراجع أو ما إذا كانت إيران سترد أو ما إذا كانت واشنطن ستتدخل مجدداً. بل السؤال الأهم الموجه للعرب ككل هو أين المشروع العربي القادر على منع المنطقة من البقاء رهينة لهذه الدائرة المغلقة من التصعيد والردع والتصعيد المضاد؟ بعد كل ما عاصرتم وعشتم وخسرتم؟
فالخطر الأكبر ليس اندلاع حرب جديدة فقط، بل استمرار واقع تصبح فيه مصائر الملايين معلقة بقرار فردي، وتتحول فيه أوطان بأكملها إلى أوراق على طاولة صراعات الآخرين. وعندما تصل الأمم إلى هذه المرحلة، فإن المشكلة لا تكون في الحرب المقبلة، بل في النظام الإقليمي الذي جعل الحرب احتمالاً دائماً والسلام مجرد هدنة مؤقتة على ورق..
*كاتبة سياسية اردنية

Exit mobile version