العميد. محمد الحسيني*
“يقع الاحتلال الإسرائيلي دوماً في فخ القراءة السطحية لطبيعة الصراع مع المقاومة في لبنان، ويكرر خطأه في تقديرها مع كل اجتياح لجنوبه. فلو افترضنا جدلاً تحقق السيناريو الإسرائيلي بتفكيك البنية العسكرية لحزب الله أو تسليم سلاحه، فإن القراءة التاريخية والديناميكيات التقنية الحديثة تؤكد أن هذا لن يفضي إلى الاستقرار، بل سيمهد لإعادة إنتاج الصراع بنماذج غير متوقعة. إن المقاومة في جوهرها ليست تنظيماً صلباً ينتهي بضرب قيادته، بل هي ‘حالة سيولة’ مرنة تتكيف تحت الضغط؛ كالزئبق الذي يتشظى عند كبسه ليعيد التكتل في مساحات أخرى.
هذا الاستنتاج تحكمه سيرورة تاريخية واضحة في الفضاءين اللبناني والفلسطيني؛ إذ أثبتت التجربة أنه كلما غاب فاعل مركزي، تولت البنية الاجتماعية الحاضنة توليد أدوات بديلة. وبناءً عليه، فإن ‘الفراغ’ المفترض بعد غياب أي تنظيم ليس إلا مرحلة انتقالية يعاد فيها تنظيم الصفوف عبر شبكات جيلية جديدة، أكثر تشتتاً وأقل مركزية، مما يجعل رصدها أو السيطرة عليها مستحيلاً من منظور استخباري تقليدي.
إن هذا الجيل القادم، أو الأشكال المستجدة من الفعل المقاوم التي تولد عادةً عقب تقويض الهياكل التنظيمية الصلبة، تتبنى حتماً نمط ‘الشبكات الموزعة، وهي شبكات عصبية لا تملك قيادة مركزية هرمية، ولا مقرات قيادية ضخمة، ولا خطوط إمداد تقليدية مكشوفة.
ومن المنظور الأمني، يمثل هذا التحول الكابوس الأكبر لأي جهاز استخباري؛ فالتعامل مع تنظيم ‘صلب’ ذي تراتبية واضحة (رئيس، ومجلس شورى، وقادة محاور) أسهل بكثير من محاولة تفكيك ‘خلايا عنقودية’ أو شبكات محلية مستقلة تتحرك ذاتياً. وفي عالم اليوم، يندمج هذا النمط اللامركزي مع التكنولوجيا الرقمية المتاحة، مما يجعل رصد هذه المجموعات أو ردعها شبحياً؛ إذ إنها لا تملك ‘مركز ثقل’ واحداً يمكن ضربه لشل حركتها أو إنهاء المعركة.”
ويمكن تفكيك آليات عمل هذه المعضلة المستجدة في ثلاثة أبعاد رئيسية:
أولاً، الحرب مفتوحة المصدر (Open-Source Warfare):
كان تأسيس أي فصيل مسلح في الماضي، يتطلب بنى لوجستية ثقيلة ومكشوفة: معسكرات تدريب شاسعة، خطوط إمداد عابرة للحدود، وتدريب تقليدي معقد. أما اليوم، فقد أعادت التكنولوجيا الرقمية والانتشار المشاع للمعرفة صياغة هذه المعادلة جذرياً؛ إذ باتت المعرفة التقنية والعسكرية مشاعة وضمن فضاء مفتوح على الإنترنت؛ بدءاً من مخططات الطائرات المسيّرة، مروراً ببرمجيات الطيران الذاتي مفتوحة المصدر مثل (ArduPilot) و(PX4)، وصولاً إلى شروحات تعديل الترددات وتجاوز أنظمة التشويش الإلكتروني.
ثانيا، التصنيع اللامركزي والمقاومة منخفضة التكلفة:
لم يعد التصنيع العسكري حكراً على المنشآت الصناعية الضخمة؛ إذ يمكن لمجموعات صغيرة، تمتلك حداً أدنى من الهواية الهندسية أو الخبرة التقنية، أن تنتج منظومات هجومية بسيطة وفعالة، مثل الطائرات المسيّرة الانتحارية (FPV). يتم هذا الإنتاج داخل ورش صغيرة أو مساحات مدنية مغلقة بكلفة مالية ضئيلة جداً مقارنة بالمنظومات العسكرية التقليدية.
لقد أدركت هذه المجموعات تحولاً تكتيكياً حاسماً: فالصواريخ التقليدية الكبيرة تتطلب بنى تحتية واضحة تسهل مراقبتها واستهدافها عبر الأقمار الصناعية؛ في حين يمكن تفكيك الطائرات المسيّرة، وتخزينها في مساحات مدنية متفرقة، ثم إعادة تجميعها وإطلاقها في وقت قياسي، ما يمنحها قدرة فائقة على الاختفاء والتمويه.
ثالثاً، التراكم المعرفي التلقائي:
إن أي شكل من أشكال المقاومة المستجدة لن يبدأ من نقطة الصفر، بل من النقطة التي انتهت عندها تجارب الأجيال السابقة. هذا التراكم المعرفي السريع يجعل كل جيل جديد أكثر قدرة على ابتكار والوصول إلى أدوات فعالة بمرونة أكبر وبأقل الخسائر.
في الخلاصة، فإن منطق “إعادة إنتاج التوتر” هو حتمية سوسيولوجية وعسكرية في آن معاً. فالقوة العسكرية الغاشمة يمكنها إزاحة “تنظيم” أو تدمير “ترسانة”، لكنها لا تملك القدرة على محو “المظلمة” أو إلغاء الدافع البشري. وما دام السبب الهيكلي قابعاً في مكانه (الاحتلال والضغط العسكري المستمر)، فإن تلك “المادة السائلة” ستظل تجد مساربها الخاصة وتخترق الشقوق لتدفق من جديد، بصور قد تكون أكثر تعقيداً وأصعب في التنبؤ بها مما يواجهه الاحتلال اليوم.
بناءً عليه، فإن الرهان القائل بأن نزع سلاح فصيل معين يمكن أن ينتج “أمناً مستداماً” هو رهان واهم يتجاهل الطبيعة البنيوية للنزاعات التاريخية الطويلة. فالأمن لا يتحقق عبر تدمير الأدوات والوسائل، بل عبر معالجة الجذور التي جعلت من تلك الأدوات ضرورة وجودية في الأصل. وطالما بقيت الجذور السياسية والاجتماعية للصراع حية، فإن المعادلة البنيوية ستستمر في فرض نفسها: ضغط يولد استجابة، وغياب الحل العادل يولد أشكالاً مبتكرة من الفعل، مهما تبدلت الأسماء، أو تغيرت البنى، أو تطورت التقنيات المستخدمة.
*كاتب لبناني
