احمد صالح سلوم*
لم تكن مكالمة هاتفية واحدة انطلقت من البيت الأبيض لتمنع قصف مدينة، بل كشفت عن ثورة صامتة قلبت رأساً على عقب نصف قرن من الهيمنة الأميركية على الهلال النفطي لغرب آسيا.
في مشادة غاضبة ملؤها الشتائم، صرخ الرئيس السابق دونالد ترامب — الذي مزق في ولايته الاتفاق النووي الإيراني — في وجه بنيامين نتنياهو بحسب التسريبات: “ماذا تفعل بحق الجحيم؟ أنت مجنون” . ثم وجّه له الصفعة القاضية: “لولاي لكنتَ الآن في السجن” .
أُلغي المخطط الإسرائيلي لتسوية أحياء بيروت بالأرض. ليس بسبب صواريخ حزب الله، بل لأن رئيساً أميركياً — أي رئيس — أدرك فجأة أن أمريكا لم تعد قادرة على تحمل تكلفة حرب جديدة.
مكالمة ترامب التي غيّرت كل شيء
لم تكن نوبة غضب ترامب وليدة سلمية مفاجئة. كانت حسابات باردة: ضربة كبيرة على العاصمة اللبنانية كانت ستدمر مفاوضات ترامب النووية، وترفع أسعار النفط إلى عنان السماء، وتجر الولايات المتحدة إلى مستنقع لا يستطيع اقتصادها تحمله. الرجل الذي تفاخر ذات يوم بـ”الضغوط القصوى” على طهران، يجد نفسه اليوم يتفاوض من موقع ضعف لا يُخفي.
نشر ترامب على “تروث سوشيال” أنه “طلب” من نتنياهو إعادة قواته، لكن لا أحد في تل أبيب يصدق أنها كانت مجرد طلب. إذ أفادت القناة 14 الإسرائيلية بأن المكالمة كانت شديدة الحرارة لدرجة أن القادة العسكريين أُمروا بتوقيع “خطابات تعهّد” لمنع أي تصعيد أحادي الجانب على الحدود — وهو قيد مهين لجيش كان قد تعهّد “القضاء على حزب الله”.
مضيق هرمز: من تهديد إلى رسوم عبور
بينما كان العالم منشغلاً بغزة وجنوب لبنان، كانت إيران تهدي بهدوء معركة أكثر حسماً في البحر. منذ انهيار الاتفاق النووي عام 2015، حوّلت طهران مضيق هرمز — ذلك الشريان الضيق الذي تمر عبره 20% من نفط العالم — من ساحة معركة محتملة إلى طريق للرسوم بحكم الأمر الواقع.
بحلول أواخر مايو، كان المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني قد أنشأ بهدوء وكالة حكومية جديدة غايتها وحيدة: تحصيل “رسوم خدمات ملاحية” من كل سفينة تمر. وتتراوح الرسوم بحسب المصادر بين 150 ألف دولار ومليوني دولار للناقلة الواحدة. وصرح مسؤول في نقابة تصدير النفط الإيرانية لـ”فايننشال تايمز” بأن الناقلات تخضع للتقييم “حسب كل حالة على حدة”. في تطور آخر، تجرب إيران الدفع عبر عملة “بتكوين” لتجاوز العقوبات، مما قد يجني لها ما يعادل دولاراً عن كل برميل نفط يُحمّل.
وصف البيت الأبيض هذه الرسوم بأنها “غير قانونية”، وهدد ترامب بـ”تفجير عُمان” إذا ساعدت مسقط في إضفاء الشرعية على المخطط. لكن الحسابات قاسية: بضع مئات آلاف الدولارات عن كل سفينة أرخص بكثير من كلفة حصار كامل. وشركات الشحن العالمية، البراغماتية بطبعها، بدأت تدمج هذه الرسوم كبند جديد في فواتيرها — استسلام صامت لدبلوماسية الزوارق الإيرانية.
محور المقاومة: وثيقة استراتيجية جديدة
ما نشهده ليس اندلاعاً عشوائياً للعنف، بل بلوغ عقيدة عسكرية اقتصادية متماسكة ما تسميه طهران “محور المقاومة” مرحلة النضج.
في 24 مايو، ألقى الشيخ نعيم قاسم — الذي يتولى قيادة حزب الله منذ استشهاد السيد حسن نصرالله — كلمة متلفزة بمناسبة “يوم المقاومة والتحرير”. كانت رسالته واضحة: “ستبقى الأسلحة في أيدينا حتى تصبح الدولة اللبنانية قادرة على تحمل مسؤولياتها”. وأي محاولة لنزع سلاح الحزب، كما حذّر، ستؤدي إلى “إبادته” والاحتلال التدريجي للبنان.
لم يعد قاسم يخاطب قاعدته فقط، بل يتحدث مباشرة إلى واشنطن: “نأمل أن يمتد أي اتفاق محتمل بين إيران وأمريكا إلى لبنان”، مضيفاً أن الحزب سيخرج من هذه الحرب “مرفوع الرأس”.
لقد تطور تماسك “المحور” بشكل لافت. ففي اليمن، تمكنت “أنصار الله” من خنق مضيق باب المندب، معلقةً كل الملاحة المباشرة في البحر الأحمر ومجبرة السفن على سلوك طريق رأس الرجاء الصالح الطويل — ما يضيف أسبوعين لكل رحلة. ارتفعت أقساط التأمين بشكل جنوني، وأصبح بعض مالكي الناقلات يدفعون 150 ألف دولار لعبور واحد في البحر الأحمر. وحسب محللين في الشحن، تجري “مناقشات داخلية” في صنعاء حول “رسوم عبور رسمية”. الرسالة من طهران إلى الأنظمة الخليجية باتت لا تُخطئ: ادفعوا، وإلا انهارت سلاسل تموينكم.
الخليج بين مطرقة واشنطن وسندان طهران
إلا أن التحول الأكثر دراماتيكية يحدث في الرياض وأبوظبي.
لعقود، استأجرت الأنظمة الخليجية أمنها من الولايات المتحدة. لكن ترامب نفسه الذي فرض حصاراً شبه كامل على ايران وطالب دول الخليج بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، يطلب منها اليوم عملياً أن تدفع فاتورة إعادة إعمار إيران. وحسب مسؤولين إقليميين اطلعوا على أحدث قنوات الاتصال الخلفية، فإن الرقم المطروح مذهل: 150 مليار دولار كقروض ميسرة لطهران وحدها، إضافة إلى التزامات منفصلة لإعادة بناء جنوب لبنان وغزة. وصفت الرياض الأرقام بأنها “خيالية”، لكنها لم تغلق الباب.
محمية السعودية محصورة بين تحالفها القديم مع واشنطن ونظام إقليمي جديد تحتفظ فيه إيران بمفاتيح المضائق. وفي الخفاء، بدأ مسؤولون سعوديون يتحدثون عن “منتدى أمن الخليج” يضم طهران — وهو مفهوم كان لا يخطر ببال قبل عامين فقط.
عزلة إسرائيل: ضباط يوقعون تعهدات ومستنقع يبتلِع نخبة الجيش
أما بالنسبة لإسرائيل، فالصورة أظلمت بسرعة مقلقة. رئيس الأركان إيال زامير قال لمستوطنات الشمال إن الجيش لن ينسحب من الأراضي اللبنانية حتى “يُزال التهديد بالكامل”. لكن على الأرض، الجيش ينزف. وحدات استطلاع النخبة في “غولاني” تتعرض لكمائن من مقاتلي حزب الله يستخدمون طائرات مسيرة من ألياف بصرية لا ترصدها الرادارات — محوّلة تلال الجنوب إلى ما وصفه ضابط إسرائيلي خاصاً بـ”جرة قتل”.
العزلة الدبلوماسية أشدّ قسوة. رغبة نتنياهو المعلنة في “الذهاب منفرداً” ضد حزب الله حطمها الفيتو الأميركي. والآن، مع دخول مفاوضات معينة مرحلتها النهائية — حيث يتحدث الدبلوماسيون عن اتفاق مرحلي يحد من التخصيب دون إلغائه — تجد إسرائيل نفسها مضطرة لقبول صفقة كانت قد تعهّدت يوماً بمنعها.
الفصل الأخير من “السلام الأميركي”
لا يعني هذا أن الولايات المتحدة “خسرت” غرب آسيا. ما ينتهي هو عصر الهيمنة الأميركية أحادية الجانب — ذلك الوهم بأن واشنطن قادرة على تحديد حدود المنطقة، والوساطة في سلامها، وحراسة مياهها دون أن تدفع فاتورة الدماء. حكام محميات الخليج الصهيو أمريكية لم يتخلوا عن أمريكا؛ هم ببساطة يشترون بوليصة تأمين ثانية.
وهكذا، في أمسية حزيران متوترة، يقف نعيم قاسم حيث كان يقف حسن نصرالله، ويحدق رئيس أركان الجيش الإسرائيلي في خرائط ملطخة بدماء جنود وُعدوا بحرب خاطفة. على مياه هرمز، يلوح الحرس الثوري الإيراني لناقلات النفط متمتعاً بتحصيل رسوم كانت قبل عقد من الزمان ضرباً من الخيال. والبيت الأبيض — أي بيت أبيض — يتعلم أخيراً ما أدركه محور المقاومة دائماً: في جغرافية المضائق، من يمسك بالخانوق يحدد الشروط.
لم يعد السؤال هو ما إذا كانت أمريكا تستطيع وقف إيران، بل كم الثمن الذي ستقبله أن تدفعه لوكيلها. وكما أثبتت مكالمة ترامب الغاضبة، قد يكون هذا الثمن أعلى مما تصورته واشنطن يوماً.
………
قسم دراسات سمير امين في بيت الثقافة البلجيكي العربي ـ لييج ـ بلجيكا
ملاحظة جرى تصحيح كلمة في النص السابق حتى لا يتم فهم المقال خطأ ..حيث تصبح الفقرة كما جاء في النص الثاني المرسل :
لكن ترامب نفسه الذي فرض حصاراً شبه كامل على ايران وطالب
اي حصار شبه شامل على إيران وليس على قطر كما جاء في النص الاول …مع تحياتي
*كاتب فلسطيني بلجيكي
كيف أعاد محور المقاومة رسم خريطة غرب آسيا!
