بقلم / عادل حويس
في زمن الانكسار والصمت المريب عندما تلتحف العواصم بالحياد البارد وتتوارى وراء حسابات الربح والخسارة تنهض من بين الركام جغرافيا الكبرياء لتسطر بدمائها ومواقفها مأثرة استثنائية في تاريخ الأمة الحديث.
إنه اليمن السعيد بأصالته العظيم بمواقفه الذي لم تثقله جراحه الغائرة ولم تقعده سنوات الحصار والحروب القاسية عن تلبية نداء الواجب العروبي والإسلامي.
في اللحظة التاريخية الفارقة التي عاشت فيها المنظومة الرسمية العربية حالة من العجز المطبق والتخلي الفاضح وقف اليمن شامخا حاملا لواء النصرة لغزة والأقصى وممتدا بوعيه وبندقيته ومواقفه المشرفة ليكون سدا منيعا يسند المقاومة الباسلة في لبنان ضد العدوان الإسرائيلي الغاشم مثبتا بالدليل القاطع أن العروبة ليست مجرد شعار يرفع في أروقة المنظمات الدولية الباهتة بل هي عقيدة وموقف وتضحية تصاغ في ميادين الشرف والمواجهة.
لم يكن الموقف اليمني مجرد رد فعل عاطفي عابر أو تضامن دبلوماسي خجول يكتفي ببيانات الإدانة والاستنكار التي أصبحت أشبه بمرثيات العجز العربي بل جاء الموقف ترجمة عملية وعسكرية وسياسية وشعبية استثنائية قلبت موازين الصراع في المنطقة.
فبينما كانت غزة تباد تحت وطأة آلة القتل الصهيونية وتتعرض لأبشع حرب إبادة جماعية في التاريخ المعاصر وسط تواطؤ دولي وتخاذل إقليمي مخز فرضت الجغرافيا اليمنية شروطها على النظام الدولي وتحول البحر الأحمر وباب المندب إلى ساحة إسناد حقيقية حاصرت الكيان الغاصب اقتصاديا وعسكريا وكسرت هيبة القوى العظمى التي هبت لحمايته. هذا الانخراط المباشر وغير المشروط في المعركة أثبت للعالم أجمع أن اليمن لا يرى في قضية فلسطين قضية خارجية أو عبئا سياسيا بل يعتبرها القضية المركزية والأولى التي تهون من أجلها كل التضحيات مجسدا المفهوم الحقيقي للجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
ولم تقف حدود هذه النصرة اليمانية عند تخوم القطاع المحاصر بل امتدت بذات الزخم والقوة والاندفاع الأخلاقي لتشمل لبنان الشقيق في وجه العدوان الصهيوني البربري الذي استهدف أرضه وسيادته وشعبه ومقاومته.
إن هذا الترابط المصيري الذي أظهره اليمن وربطه المباشر لتهدئة الجبهات بوقف العدوان الكامل على غزة ولبنان كشف زيف الحسابات الجيوسياسية الضيقة التي تحكم بعض الأنظمة العربية والتي اختارت النأي بالنفس أو التواطؤ السري والعلني حماية لعروشها ومصالحها الضيقة.
لقد برهن الشعب اليمني بخروجه المليوني الأسبوعي المتواصل دون كلل أو ملل وبجهوزية قواته المسلحة أن إرادة الشعوب قادرة على تجاوز خطوط الجغرافيا وحواجز السياسة وأن عمق الانتماء للأمة وقضاياها العادلة هو المحرك الأساسي للفعل اليمني في وقت باتت فيه “جامعة الدول العربية” مجرد هيكل بيروقراطي ميت عاجز حتى عن عقد قمة تضامنية حقيقية أو اتخاذ قرار شجاع بكسر حصار جوع أو وقف شلال دم.
إن القراءة المتأنية في المشهد الراهن تؤكد أن اليمن بالرغم من كل محاولات الشيطنة والضغوط الاقتصادية والتهديدات العسكرية الدولية التي واجهها نجح في إعادة صياغة الوعي الجمعي العربي وأعاد بوصلة الصراع إلى اتجاهها الصحيح.
لقد مثل هذا الموقف المشرف صدمة إيجابية لضمير الأمة وفضح كل مبررات العجز والهروب من المسؤولية التي تتذرع بها عواصم تمتلك من النفط والمال والسلاح ما يفوق قدرات اليمن بأضعاف مضاعفة لكنها تفتقر إلى الإرادة السياسية والكرامة الوطنية.
هذا التباين الصارخ بين اليمن المحاصر والمنهك الذي يصنع الفارق ويهز عروش الطغاة وبين دول عربية غنية تلوذ بالصمت والتواطؤ يعيد كتابة التاريخ من جديد ويحدد بدقة من هم حراس العقيدة والعروبة الحقيقيون ومن هم الذين باعوا قضايا أمتهم في سوق النخاسة الدولية.
في الختام سيبقى الموقف اليمني تجاه غزة والأقصى ولبنان علامة فارقة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي ودرسا بليغا في الوفاء والنبل والشهامة العربية والمسؤولية الدينية والأخلاقية.
ولن ينسى التاريخ كما لن تنسى أجيال فلسطين ولبنان المقاومة أن اليمن كان يدا تقاتل وعينا تقاوم وقلبا ينبض بالنصرة في زمن تخلى فيه الأقربون واستأسد فيه الأعداء.
إنه اليقين الثابت بأن الشعوب الحرة مهما بلغت التحديات وعظمت التضحيات هي التي تصنع الفجر الجديد للأمة وتعبد الطريق نحو تحرير الأقصى وكل شبر مدنس من أرضنا العربية واضعين حدا لزمن الانكسار والتبعية ورافعين راية المجد والكرامة عاليا من قمم جبال اليمن العصية إلى شواطئ غزة وجنوب لبنان الأبي.
