اليمن الحر الأخباري

هل كسرت إيران قواعد اللعبة أم فتحت أبواب المجهول؟

د. محمد بني سلامة*
لم تكن الصواريخ الإيرانية التي انطلقت نحو إسرائيل رداً عسكرياً تقليدياً على استهداف الضاحية الجنوبية في بيروت، بل إعلاناً صريحاً عن تحول استراتيجي عميق في عقيدة الأمن القومي الإيراني. فما جرى لم يكن مجرد تبادل للضربات، بل محاولة إيرانية لإعادة رسم حدود الصراع وقواعد الاشتباك في الشرق الأوسط.
للمرة الأولى منذ سنوات، قررت طهران أن تربط أمن حزب الله بأمنها الوطني بصورة مباشرة، وأن ترسل رسالة واضحة مفادها أن أي هجوم على الحزب سيُنظر إليه بوصفه هجوماً على إيران نفسها. وبهذا المعنى، لم تعد لبنان وإيران جبهتين منفصلتين، بل ساحة مواجهة واحدة وفق الرؤية الإيرانية الجديدة.
لكن أهمية الضربة لا تكمن في بعدها العسكري بقدر ما تكمن في أهدافها السياسية. فطهران تدرك أن موازين القوى الحالية لا تسمح بحرب شاملة طويلة الأمد، كما تدرك أن إسرائيل والولايات المتحدة ليستا في وارد فتح حرب إقليمية واسعة النطاق في هذه المرحلة. لذلك تبدو الضربة أقرب إلى رسالة تفاوضية بالنار، هدفها تعزيز الموقع الإيراني على طاولة المفاوضات المقبلة وفرض الملف اللبناني وحلفاء إيران الإقليميين كجزء لا يتجزأ من أي تسوية مستقبلية في المنطقة.
لقد اعتمدت إيران طوال العقدين الماضيين على سياسة الغموض الاستراتيجي؛ ترد أحياناً عبر الوكلاء، وتلوح بالقوة دون استخدام مباشر لها. أما اليوم فقد تخلت جزئياً عن هذا الغموض لصالح قواعد اشتباك أكثر وضوحاً. غير أن المشكلة في القواعد المعلنة أنها تتحول إلى التزام سياسي وعسكري، بحيث يصبح تجاهل أي استهداف مستقبلي لحلفائها مكلفاً على مستوى المصداقية والردع.
في المقابل، تواجه القيادة الإيرانية تحدياً لا يقل أهمية عن التحديات العسكرية. فرغم الحديث المتزايد عن صعود نجم مجتبى خامنئي داخل دوائر السلطة، إلا أن الرجل لم يظهر للعلن حتى الآن، الأمر الذي يثير تساؤلات حول طبيعة مركز القرار الحقيقي في طهران في هذه المرحلة الحساسة. فقرار الرد كان سهلاً نسبياً لأنه جاء استجابة لضغط داخلي وخارجي، لكن قرار وقف التصعيد أو توسيعه هو القرار الأصعب، وهو القرار الذي سيحدد مستقبل المنطقة خلال الأشهر المقبلة.
كما أن الاقتصاد الإيراني يواصل التراجع تحت وطأة العقوبات والضغوط الداخلية، بينما تبدو الخيارات العسكرية المتاحة أقل بكثير من الخطاب السياسي المعلن. وهذا ما يدفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن إيران تتحرك من موقع قوة تفاوضية، فيما يرى آخرون أنها تتحرك من موقع القلق والخشية من فقدان أوراق نفوذها الإقليمية.
أما الورقة الأخطر التي ما تزال بيد طهران فهي مضيق هرمز. فهذا الممر البحري الاستراتيجي لا يمثل مجرد شريان لنقل النفط، بل يعد أحد أهم مفاتيح الاستقرار الاقتصادي العالمي. وأي تحرك إيراني في هذه المنطقة كفيل بإحداث صدمة في أسواق الطاقة ورفع أسعار النفط وإشعال أزمة دولية تتجاوز حدود الشرق الأوسط.
الواقع أن المنطقة تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فإما أن تتحول الضربة الإيرانية إلى نقطة انطلاق لمسار تفاوضي جديد يعيد ترتيب التوازنات الإقليمية، وإما أن تكون بداية لسلم تصعيد طويل قد يقود إلى مواجهة أوسع لا يرغب بها أحد، لكنها قد تفرض نفسها بفعل الأخطاء وسوء التقدير.
وفي جميع الأحوال، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً لم يعد ما إذا كانت إيران قادرة على الرد، بل ما إذا كانت قادرة على التحكم بمسار التصعيد بعد أن كسرت بنفسها قواعد اللعبة التي حكمت المنطقة طوال السنوات الماضية.
*كاتب اردني

Exit mobile version