اليمن الحر الأخباري

من جزيرة ألبانية إلى غزة ولبنان!

د. معن علي المقابلة*
ما يلفت الانتباه في الاحتجاجات التي شهدتها ألبانيا ضد مشروع تطوير جزيرة سازان ليس فقط موضوع الاحتجاج نفسه، بل حقيقة أن آلاف المواطنين شعروا بأن من واجبهم التدخل والتعبير عن موقفهم عندما اعتقدوا أن قراراً مصيرياً يمس أرضهم وبيئتهم ومستقبل بلادهم قد اتُخذ من دون توافق شعبي كافٍ.
سواء اتفق المرء مع المحتجين أو مع الحكومة، فإن المشهد بحد ذاته يعكس حيوية المجتمع وقدرته على التأثير في النقاش العام وصنع الضغط السياسي. لقد خرج الألبان إلى الشوارع لأنهم رأوا أن جزيرة من بلادهم قد تتحول إلى مشروع يخدم مصالح المستثمرين والأثرياء أكثر مما يخدم المصلحة الوطنية. بعض المعارضين ذهبوا إلى حد التحذير من أن تتحول الجزيرة إلى مساحة مغلقة ومعزولة للنخب العالمية، تشبه في رمزيتها الجزر الخاصة التي ارتبطت بالسلطة والنفوذ والسرية بعيداً عن رقابة المجتمع.
وقد يكون المرء مؤيداً أو معارضاً لهذه المخاوف، لكن الأهم أن الشعب عبّر عن رأيه بصوت عالٍ، وأجبر السلطة على الاستماع إليه. لكن ما إن ينظر العربي إلى هذا المشهد حتى يجد نفسه أمام سؤال أكثر إيلاماً: ماذا بقي من دور الشعوب العربية في تقرير مصيرها أو حتى في الدفاع عن مصالحها الأساسية؟ فالأنكى من الاستبداد السياسي نفسه هو نجاحه، في كثير من الحالات، في إنتاج شعوب مدجّنة، منهكة، ومنقسمة على ذاتها، عاجزة حتى عن الاتفاق على أولوياتها ومصالحها المشتركة.
لقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة واحدة من أبشع المآسي الإنسانية المعاصرة في غزة، حيث تعرض شعب كامل للقتل والتجويع والتهجير والتدمير على نطاق واسع. وبينما خرجت مظاهرات حاشدة في عواصم أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا احتجاجاً على هذه المأساة، بدا المشهد العربي في كثير من الأحيان غارقاً في جدالات عبثية لا تنتهي.
فبدلاً من توحيد الجهود لمواجهة الكارثة الإنسانية والدفاع عن حق شعب يتعرض للإبادة والتجويع والحصار، انشغلت قطاعات من النخب والجماهير العربية بالسؤال عمن يتحمل المسؤولية، أو بخلافات أيديولوجية وطائفية عقيمة، أو بمحاولات تبرير ما لا يمكن تبريره. وفي الوقت الذي كانت فيه شعوب الأرض تتوحد حول الحد الأدنى من المبادئ الإنسانية، بدا جزء من الخطاب العربي أسيراً لانقسامات لا تنتج سوى المزيد من العجز.
ولا يقتصر الأمر على فلسطين. فلبنان يقدم مثالاً آخر على حجم الأزمة التي تعيشها المنطقة. فعلى الرغم من العدوان الإسرائيلي المتكرر على الأراضي اللبنانية، وما رافقه من غارات وعمليات عسكرية وانتهاكات للسيادة اللبنانية وسقوط ضحايا ودمار في القرى والبلدات والبنية التحتية، لم يتحول ذلك إلى قضية جامعة توحد الرأي العام العربي. بل إن جزءاً كبيراً من النقاش انحدر إلى سجالات طائفية وحزبية ضيقة، بحيث أصبح الجدل يدور حول هوية المستهدفين وانتماءاتهم السياسية أكثر مما يدور حول حقيقة أن دولة عربية تتعرض لاعتداءات متكررة من قبل إسرائيل.
وكأن الانقسامات الداخلية نجحت في تشويه أبسط البديهيات، وهي أن رفض العدوان الخارجي والدفاع عن سيادة الأوطان يجب أن يسبقا كل خلاف آخر. أما الحكومات العربية، فقد تراوحت مواقف كثير منها بين الخطابات الرمزية التي لا تتجاوز حدود البيانات الدبلوماسية، وبين سياسات يراها منتقدوها أقرب إلى النفاق السياسي أو التورط في تكريس الأمر الواقع. والنتيجة أن المواطن العربي وجد نفسه مرة أخرى متفرجاً على أحداث تمس وجدانه وهويته ومستقبله، من دون أن يشعر بامتلاكه أي وسيلة حقيقية للتأثير.
وهنا تتجلى المشكلة الحقيقية: لم تعد قطاعات واسعة من الشعوب العربية عاجزة عن التأثير في القرار السياسي فحسب، بل أصبحت عاجزة حتى عن الاتفاق على تعريف مصالحها المشتركة أو تحديد أولوياتها الوطنية والقومية. وهذا ربما أخطر ما أنتجه عصر الاستبداد والانقسام؛ أن يتحول المواطن من شريك في صناعة مصير وطنه إلى متفرج على الأحداث، ومن فاعل سياسي إلى مجرد متلقٍ للوقائع التي يصنعها الآخرون. لهذا لا تكمن أهمية المشهد الألباني في الجزيرة نفسها، بل في الرسالة التي يحملها.
شعب صغير في دولة صغيرة شعر أن له الحق في الاعتراض عندما رأى أن جزءاً من وطنه قد يُدار بطريقة لا تعجبه. أما في عالمنا العربي، فإن المشكلة لم تعد في قرار هنا أو صفقة هناك، بل في تآكل الإيمان الجماعي بأن صوت المواطن يمكن أن يغيّر شيئاً من الأساس. وبينما كان الألبان يحتجون دفاعاً عن جزيرة، ما زال السؤال معلقاً في العالم العربي: متى تستعيد الشعوب دورها في الدفاع عن أوطانها وقضاياها ومستقبلها، بدلاً من الاكتفاء بمشاهدة القرارات المصيرية وهي تُتخذ باسمها، والأحداث الكبرى وهي تُفرض عليها، والتاريخ وهو يُكتب من دون مشاركتها، وكأنها لم تعد صاحبة الأرض ولا صاحبة القضية، بل مجرد جمهور يتابع مصيره من خلف الشاشات.
*كاتب اردني

Exit mobile version