بقلم: محمـد يحيى الضلعي
في الوقت الذي تتسارع فيه التحديات البيئية والصحية التي تواجه المدن الكبرى، تبرز منطقة ذهبان شمال العاصمة صنعاء باعتبارها واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية التي لا تخص سكانها وحدهم، بل تمس حاضر ومستقبل العاصمة بأكملها فهذه المنطقة ليست مجرد حي سكني أو امتداد عمراني، بل تمثل الحوض المائي الذي تعتمد عليه صنعاء في جزء مهم من احتياجاتها من المياه الجوفية، ما يجعل الحفاظ عليها مسؤولية وطنية تتجاوز حدود الجغرافيا والمصالح الضيقة.
إن التوسع العمراني العشوائي الذي شهدته المنطقة خلال السنوات الماضية، إلى جانب غياب البنية التحتية الأساسية للصرف الصحي، أدى إلى اعتماد المواطنين على الحفر الامتصاصية(البيارات) كحل اضطراري للتخلص من مياه الصرف، ومع تزايد الكثافة السكانية واستمرار الحفر بشكل غير منظم ومكثف، تتعاظم المخاطر يوما بعد آخر، لتصبح المياه الجوفية نفسها عرضة للتلوث، وهي الثروة التي لا تقدر بثمن والتي يعتمد عليها ملايين السكان في العاصمة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فيما نراه اليوم، بل فيما قد نكتشفه بعد سنوات عندما يصبح التلوث قد وصل إلى طبقات المياه الجوفية بصورة يصعب أو يستحيل معالجتها، حينها لن تكون الخسارة مقتصرة على منطقة ذهبان، بل ستكون كارثة تمس العاصمة كلها، صحيا واقتصاديا وبيئيا وإنسانيا.
لقد أدركت قيادات سابقة أهمية هذه المنطقة وحساسيتها، وكان من أبرزها أمين العاصمة الراحل الشهيد عبدالقادر علي هلال، الذي وضع رؤية خاصة لذهبان تقوم على ضرورة التخطيط العمراني المنظم ومنع البناء العشوائي، مع اعتبار مشروع الصرف الصحي أولوية قصوى لحماية الحوض المائي وتأمين مستقبل صنعاء، وكانت تلك الرؤية نابعة من فهم عميق للعلاقة المباشرة بين التنمية المستدامة وحماية الموارد المائية.
واليوم، وبعد مرور سنوات، تبدو الحاجة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى لاستكمال تلك الرؤية وتحويلها إلى واقع ملموس فتنفيذ مشروع متكامل للصرف الصحي في ذهبان لم يعد مشروعا خدميا عاديا يمكن تأجيله، بل أصبح استثمارا استراتيجيا في أمن العاصمة المائي والصحي.
إن الفوائد المتوقعة من هذا المشروع تتجاوز بكثير كلفته المالية؛ فهو سيحمي المياه الجوفية من التلوث، ويحد من انتشار الأمراض والأوبئة، ويحسن البيئة العامة، ويرفع من قيمة الأراضي والاستثمارات، ويعزز التخطيط العمراني السليم، ويوفر على الدولة والمجتمع مستقبلا تكاليف باهظة لمعالجة أزمات صحية وبيئية قد تكون نتائجها كارثية.
ومن هنا فإننا نوجه نداء صادقا إلى الجهات المعنية، وإلى أمانة العاصمة، والهيئات المختصة بالمياه والبيئة والتخطيط العمراني، وإلى المنظمات الداعمة والمجتمع المدني، بأن يجعلوا مشروع الصرف الصحي في ذهبان ضمن أولويات المرحلة القادمة كما ندعو أبناء المنطقة كافة إلى التكاتف والمطالبة بهذا المشروع الحيوي باعتباره حقا مشروعا ومسؤولية جماعية تجاه الأجيال القادمة.
إن حماية ذهبان ليست قضية محلية تخص سكانها فقط، بل هي حماية لمصدر حياة العاصمة صنعاء فالمياه التي نحافظ عليها اليوم هي الحياة التي سنضمنها لأبنائنا غدا والتاريخ لا يذكر من تجاهل المخاطر حتى وقعت، بل يخلد من رأى الخطر مبكرا وتحرك لمنعه.
إن مشروع الصرف الصحي في ذهبان ليس رفاهية، وليس خيارا يمكن تأجيله، بل ضرورة وطنية عاجلة، واستثمار في صحة الإنسان، وحماية للبيئة وضمان لمستقبل المياه في العاصمة صنعاء.
فهل تجد هذه المناشدة آذانا تسمع، وإرادة تتحرك، قبل أن يصبح العلاج أصعب بكثير من الوقاية؟
نقدم مناشدة عاجلة للحفاظ على مياه العاصمة عبر تنفيذ مشروع الصرف الصحي ( المجاري) لمنطقة ذهبان حتى بالشارع الرئيسي فقط ويتحمل بقية المواطنين التوصيل له قبل فوات الأوان، فالبيارات ومافيها بدأت تتسرب لمخزون المياه الجوفية التي تغذي معظم مناطق العاصمة.
إن هذا المشروع وهذه الخطوة لا يمكن تأجيلها مهما كانت الظروف والأعذار، ونثق كل الثقة بأمانة العاصمة التي دائما تسعى لوضع حلول مستدامة لكل المشاكل، كما يشجع على ذلك تفاعل كبير ورغبة عارمة من أبناء المنطقة بالتعاون مع المشروع والتوصيل للخط الرئيسي وتقديم مساهمات مجتمعية لنجاح المشروع ومن الواجب استثمار هذا الاندفاع من أبناء المنطقة فالمطلوب من الجهات المعنية الخط الرئيسي فقط.
