اليمن الحر الأخباري

فصول جديدة في صراع طويل الأمد!

نجاح محمد علي*
في لحظة تأريخية فارقة تشبه تلك المنعطفات الكبرى التي عرفها العالم عندما كانت طرق التجارة والنفوذ تُعاد رسمها بين إمبراطوريات متنافسة، يقف الإقليم اليوم أمام ثلاثة محاور مترابطة تُشكّل معاً نسيجاً معقداً من التفاوض والانخراط والصراع البنيوي. ليست هذه الأحداث أزمات طارئة ، لأنها كما هو واضح حلقات في سلسلة تأريخية طويلة تتعلق بمن يسيطر على العقد الجغرافية الحيوية، ومن يملك أدوات الضغط الاقتصادي والعسكري، ومن يستطيع تحويل الجغرافيا إلى مصدر قوة دائمة أو إلى ساحة استنزاف مفتوحة.
جنيف: إدارة الصراع لا إغلاقه
يأتي الحديث المتكرر عن «تفاهم وشيك» يُعلن من جنيف (بدلاً من إسلام أباد التي قادت الوساطة) في سياق مرحلة متقدمة من إدارة الصراع عبر التفاوض، لا كإعلان عن تسوية تأريخية نهائية. غالباً ما يُستخدم هذا الخطاب كأداة ضغط متبادلة بين الأطراف، بينما تبقى الملفات الجوهرية – خاصة تلك الحساسة – غير محسومة فعلياً بانتظار 60 يوماً من التفاوض قابلة للتمديد و للانهيار بحسب المنطق الترامبي.
التوازن الذي يُروَّج له ليس توازناً متكافئاً، بل صيغة تفاوضية غير متكافئة تُبنى على تبادل تدريجي لمكاسب سياسية واقتصادية، مع ترك فجوات تفسيرية تسمح بإعادة التأويل لاحقاً متى تغيرت الظروف.
من هنا يصبح إبقاء التفاصيل النهائية خارج الإعلان العام جزءاً من قوة هذه التفاهمات. الغموض المقصود يتيح صياغات مرنة تحول دون انهيار التفاوض تحت ضغط الرأي العام أو الحسابات الداخلية لكل طرف. أما التعهدات السياسية وحدها فلا تكفي، كما أثبتت التجارب التراكمية السابقة؛ إذ سرعان ما تتبدل الإدارات وتتغير الظروف الدولية، فيتحول الصراع الحقيقي إلى معركة حول تحويل الالتزامات إلى آليات تنفيذ قابلة للقياس والمتابعة.
في ملف العقوبات الاقتصادية، المرجح هو إعادة تشكيل المنظومة بشكل تدريجي عبر تخفيفات انتقائية، لا رفعاً شاملاً. هذا النهج يسمح بإبقاء أدوات الضغط قائمة حتى في ظل أي اتفاق. وغالباً ما تُصاغ مثل هذه التفاهمات بحيث تحتوي على مساحات قانونية رمادية تتيح إعادة فرض القيود تحت عناوين جديدة، فلا يتحقق استقرار قانوني مكتمل. أما الملف الدفاعي والصاروخي فيُدار عادة خارج النصوص المعلنة، لكنه يظل حاضراً ضمن التوازنات غير المباشرة كعنصر ضغط في الخلفية.
أما الملفات الإقليمية فتُفصل نظرياً لتجنب الانهيار الكلي، إلا أن الترابط العميق بينها يجعل عودتها إلى طاولة التفاوض مسألة وقت لا خيار. وفي النهاية، لا توجد ضمانات حقيقية لعدم تكرار إخفاقات التجارب السابقة، بل منظومة ردع متبادل ومصالح متقاطعة وضغط دولي. الاستقرار المتوقع – إن تحقق – هو نتيجة توازن قلق لا توازن ثقة، وأي اتفاق محتمل يُقرأ كتهدئة مؤقتة ضمن مسار طويل من التوتر، لا كإغلاق نهائي لملف الخلاف.
وهنا يأتي دور الدول التي قدمت الدعم للطرف الأول و كانت مسرحاً للرد من الطرف الثاني.
من الحياد إلى الانخراط: تآكل المسافة الآمنة
في الحروب المعاصرة لم يعد إعلان الحياد السياسي كافياً لنفي المشاركة الفعلية. فالمشاركة قد تتم عبر البنية التحتية الجوية أو الدفاعية أو اللوجستية دون إعلان مباشر. الحد الفاصل لم يعد سياسياً فقط، بل عملياتياً؛ إذ يصبح موقع الدولة داخل الشبكات الدفاعية أو الهجومية هو المحدد الفعلي لطبيعة دورها.
اعتراض الصواريخ والمسيّرات يبدو دفاعياً من حيث الشكل القانوني، لكنه يؤثر استراتيجياً في ميزان الاشتباك، وبالتالي يندرج ضمن دائرة التأثير غير المباشر في مسار الحرب. وتزداد أهمية شبكات الإنذار المبكر التي تمثل بنية دمج معلوماتي إقليمي، ما يجعل القرار الدفاعي في بعض الحالات نتيجة منظومة مشتركة لا قراراً وطنياً منفرداً.
الدول التي تستضيف قواعد أجنبية تُعامل كجزء من البيئة العملياتية للصراع، حتى في غياب المشاركة المباشرة، لأن وجود هذه القواعد يغير معادلة الردع. وفي سياق التصعيد تتحول هذه القواعد إلى نقاط اشتباك محتملة باعتبارها مراكز دعم لوجستي وتشغيلي. هذا التطور يؤدي إلى توسيع جغرافيا الصراع وتقليص مساحات الحياد، ما يجعل الإقليم أكثر عرضة للتمدد التدريجي للتوتر.
يصبح البقاء خارج الصراع مع تقديم دعم لوجستي أمراً صعباً، لأن الدعم اللوجستي يندرج ضمن سلسلة تشغيلية مرتبطة مباشرة بمخرجات العمليات العسكرية. والفرق واضح بين الحياد كموقف سياسي معلن، والمساندة غير المباشرة التي تُقاس بالأثر العملي داخل مسرح العمليات بغض النظر عن الخطاب الرسمي. وكلما اتسع نطاق الصراع، تقل قدرة الدول على الحفاظ على حياد فعلي، وتزداد أهمية موقعها الجغرافي داخل منظومة الاشتباك.
حرب الممرات: إيران كعقدة أوراسية في مرمى الصراع البنيوي
ضمن إطار «حرب الممرات»، لا تُستهدف إيران لذاتها فقط، بل لموقعها كعقدة ربط جغرافية أساسية في شبكة أوراسيا. فهي نقطة تقاطع بين مسارات متعددة: الحزام والطريق شرق–غرب، وممر الشمال–الجنوب الذي يربط روسيا وإيران والهند، إضافة إلى ارتباطها بالموانئ البحرية في الخليج الفارسي وبحر العرب.
تؤدي الحرب إلى إعادة توجيه المسارات نحو بدائل أطول وأكثر كلفة، مع زيادة الاعتماد على ممرات أقل استقراراً سياسياً. ويتعرض ممر الشمال–الجنوب لضغط مباشر على كفاءته التشغيلية، لكنه يبقى قائماً كخيار استراتيجي. أما مشروع IMEC الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا فيُقرأ كممر بديل يعيد رسم خرائط العبور بهدف تقليل مركزية الممرات التي تمر عبر إيران والصين وروسيا، وليس كمشروع تجاري محايد.
الاتجاه العام هو الانتقال من ممرات مهيمنة إلى نظام تنافسي متعدد المسارات، حيث تصبح الجغرافيا أداة صراع اقتصادي. وتدفع الضغوط الجيوسياسية نحو مزيد من التقارب الإيراني داخل أطر تكاملية مثل بريكس والممرات البرية الأوراسية. وتتحول الموانئ الإيرانية إلى نقاط ارتكاز مركزية في أي إعادة توزيع للتجارة، لكنها في الوقت نفسه أهداف تنافس بين مشاريع متقابلة.
نحن إذن أمام حروب ممرات حقيقية؛ إذ ينتقل الصراع تدريجياً من المجال العسكري المباشر إلى السيطرة على البنية التحتية وسلاسل الإمداد. والطرف القادر على ضمان استقرار ممراته وربط عقده الجغرافية بكفاءة عالية هو من يحقق الأفضلية، لأن الحسم هنا بنيوي طويل الأمد لا عسكري لحظي.
خاتمة: توازن قلق في زمن التحولات الكبرى
هذه المحاور الثلاثة – التفاوض في جنيف، تحول الحياد إلى انخراط عملياتي، وحرب الممرات – ليست منفصلة. إنها تعبير عن مرحلة تأريخية انتقالية يعاد فيها تشكيل التوازنات العالمية على أسس جغرافية واقتصادية وأمنية متداخلة. أي اتفاق أو بالأحرى تفاهم يُعلن من جنيف لن يكون نهاية الطريق، بل محطة في رحلة طويلة من التوتر والتكيف. والدول التي تحاول البقاء على الهامش تجد نفسها مضطرة تدريجياً إلى اتخاذ مواقع داخل منظومة الاشتباك. أما الصراع على الممرات فيحدد من سيملك مفاتيح الاقتصاد العالمي في العقود القادمة.
التاريخ يعلمنا أن الاستقرار الحقيقي لا يأتي من توازن الثقة، بل من توازن الردع والمصالح المتقاطعة. وما نشهده اليوم في ضوء التجارب السابقة مع ترامب ليس سراباً جديداً فحسب، إنه فصل جديد في كتاب مفتوح منذ زمن بعيد، عنوانه الدائم: من يسيطر على الطرق يسيطر على المستقبل.
والحرب مستمرة
ولو توقف هطول الصورايخ.
*كاتب عراقي وباحث في الشؤون الإيرانية والإقليمية.

Exit mobile version