المهندس. سليم البطاينه*
واضح جداً ان هناك حركية نقد في الداخل الأمريكي، تقودها خلال التفكير، ناتجة عن حالة من اللا اطمئنان على مفردات السياسة، لم تكن مسبوقة بهذه الوتيرة من قبل !
فكما هو معروف ان التأثير الأكبر على السياسة الأمريكية تجاه القضايا الداخلية والخارجية عادة ما يصدر عن بيوت الخبرة، وخلايا التفكير Think Tanks التي تنتج كماً كبيراً من الدراسات والدراسات والتوصيات، لتشكل قاعدة معلوماتية استراتيجية، مثل: معهد بروكينغز، وكارينجي، ومركز بيو للأبحاث، ومؤسسة راند، وودرو ويلسون للأبحاث، ومعهد كاتو، والكثير الكثير من مراكز الدراسات داخل الولايات المتحدة
اليوم تقف المنطقة العربية، خاصة الدول العربية الحليفة لأمريكا امام اسئلة مفتوحة : هل نحن أمام اعادة لطبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران ؟
وإذا اردنا الوقوف امام النصوص والتصريحات الجانبية الأمريكية، نرى ان الرسائل العسكرية الموجهة لايران ليست بالضرورة تعني الفعل ! فالمفاوضات بين أمريكا وايران مستمرة ولم تتوقف، لا في السر ولا في العلن !
لكن الملف المزعج بالنسبة لحلفاء أمريكا في المنطقة، الذي تحيط به الضبابية هو: الدور الإقليمي لايران، ومستوى السقف الذي ستُحظى به داخل الإقليم والمنطقة بعد توقيع الاتفاقية مع البيت الأبيض
إذ يبدو ان ان مذكرة التفاهم التي قيل عنها أنها إطار للمفاوضات، غاب عنها الملف النووي، والصواريخ الباليستية، وأذرع ايران في المنطقة، ونفت وجود اي بند في مسودة التفاهم يتضمن فتح مضيق هرمز دون قيود او رسوم !
اي لم تعد محور تفاوض،، بل اكتفت برفع العقوبات تدريجياً وبمنظومة تشمل اعتبارات اقتصادية وأمنية مترابطة في أمن الممرات وسلاسل التوريد !
العقل الأمريكي يرتكز في تفكيره الاستراتيجي على فلسفة البرغماتية النفعية !
ووفقاً للإيقاع البراغماتي الذي يُقر في واشنطن : وهو النوم على مشهد والاستيقاظ على مشهد آخر! باتت التوصيات الصادرة عن معظم مراكز الفكر الأمريكية تؤكد انه لا بد من العودة الى فتح آفاق الحوار مع الإيرانيين، والإجابة عن مجموعة من الاسئلة الأساسية؛ ما الممكن تحقيقه في المرحلة القادمة ؟ وما الذي يمكن تأجيله الى مراحل لاحقة ؟
هذا التحول بالتفكير، وهذه السرعة لم يأتي من فراغ، بل من قناعة تامة لدى الغرب بشكل عام، وأمريكا بشكل خاص ان المنطقة العربية تشهد وضعاً لا نهاية له من عدم الاستقرار واستمرار الفوضى ! وان معظم الأنظمة العربية أنظمة معزوله وهامشية، فشلت على نحو مستمر في انتاج نموذج سياسي مستقر وجاذب في تأثيره الاجتماعي والسياسي !
وإذا اردنا فهم وتفسير هذا التحول بالرأي العام داخل امريكا، نرى انه سار عبر اتجاهين متناقضين !
– الأول: انه يعكس مقاربة أمريكيه برغماتيه تهدف إلى ادارة التوتر بدلا من انهائه، باعتماد منهج يقوم على ادارة التوازنات وضبطها ! بما يقلل من كلفة الانخراط العسكري المباشر.
اما الاتجاه الثاني، فيربط هذا بقدرة ايران المفاجئة الغير متوقعة باستخدام موقعها الجغرافي على مبدأ: ادارة الجغرافيا واكتشاف نقاط الضعف الاستراتيجية في مجال الطاقة والملاحة، وخلخلة استقرار دول الجوار، وهذا ما منحها قدرة تفاوضية غير مباشرة وفاعلة
قد تبدو هذه العبارة للوهلة الأولى مجرد توصيف ليس أكثر، لكنها هي الحقيقة !
في كل مرة ينكشف غباء العربي الذي لا يتعلم من التجربة، وإنما يستمر في دفع الثمن الغالي .
أمريكا توظف غباء الآخرين لتحقيق أهدافها الجيوسياسة والاقتصادية، وتنتصر في حروبها بجيوش وأموال الآخرين، مما يجعلها تحقق انتصارات غير مكلفة ! حتى ان جيشها عندما يذهب الى اي مكان على وجه الارض يشعر انه ذاهب في نزهة، نظراً للدلال والتسهيلات التي يحصل عليها
في النهاية تتجه المنطقة نحو حالة رمادية مُمتدّة تتسم بارتفاع مستوى عدم اليقين ! تُدارُ فيها الأزمات دون حسم ! ما يجعل التنبؤ بالمسارات المستقبلية أكثر تعقيداً.
*كاتب وبرلماني اردني سابق
مستودعات التفكير الأمريكية !
