اليمن الحر الأخباري

فخ التجريد الاستراتيجي!

امل سبتي*
تسلط هذه المقالة الضوء على أبعاد المخطط الأمريكي الجديد في العراق، والذي يتجاوز مجرد تنظيم السلاح حصرًا بيد الدولة. طرحنا هنا يستند إلى فكرة مبتكرة: إن محاولات تدجين فصائل المقاومة (عبر آلية المناهج الوزارية والقيود المالية) بالتوازي مع مساعي تفكيك قوات “البيشمركة” الكردية، لا تستهدف بنية العراق الداخلية فحسب، بل تمثل “المرحلة صفر” لعملية إعادة احتلال عسكري مرتقبة وتغيير ديموغرافي وجيوسياسي يهدف بالأساس إلى عزل إيران ومحاصرتها استراتيجيًا بعد إخفاق الحروب الخاطفة الأخيرة في المنطقة.
مقدمة: قراءة في ما وراء “المنهاج الوزاري”
يمر العراق المنعطف الأخطر في تاريخه الحديث بعد عام 2003؛ حيث لم يعد الصراع داخليًا على مكاسب سياسية أو حصص برلمانية، بل تحول إلى صراع على البقاء الجيوسياسي. إن الصعود المبرمج لبعض الشخصيات إلى سدة القرار التنفيذي تحت لافتة “ضبط السلاح المنفلت” وتطبيق “المنهاج الوزاري”، ليس إلا غطاءً محليًا لسيناريو دولي صاغته دوائر القرار في واشنطن وتل أبيب. هذا السيناريو يقوم على تكتيك “الترويض المالي والتفكيك الهيكلي” لفصائل المقاومة العراقية وقوات الحشد الشعبي قبل الانتقال إلى الخطوة التالية.
الترويض بالمال وخديعة الاندماج
إن الفكرة الجوهرية التي غفلت عنها بعض القوى السياسية والفصائلية، كعصائب أهل الحق أو غيرها، هي أن الوعود الأمريكية بتركهم وشأنهم في حال تسليم السلاح هي قراءة خاطئة تمامًا لمعادلات المنطقة. لقد استُخدمت الموازنات وحقوق الحشد المالية كأداة “تقييد وتدجين” لفرض السيطرة السياسية.
إن هذا الاندماج الشكلي يُراد منه تحويل القوة العقائدية الرادعة إلى جهاز بيروقراطي خاضع لأوامر حكومية قد تصدر بقرار أمريكي في أي لحظة. التاريخ يعلمنا أن الولايات المتحدة لا تقبل بشريك يحمل أيديولوجيا مقاومة، وأن هدفها النهائي هو التجريد الاستراتيجي الكامل للعراق من عناصر قوته الشعبية.
تقرير “أتلانتيك كاونسیل”: فرز المعسكرات وغياب المرجعية الميدانية
في هذا السياق، يكشف التقرير الأخير لمعهد “المجلس الأطلسي” الأمريكي عن نجاح واشنطن النسبي في إحداث شرخ عميق داخل جبهة المقاومة، حيث قسّم الفصائل إلى أربعة معسكرات: معسكر أعلن تسليم السلاح (كسرايا السلام والعصائب وكتائب إمام علي)، ومعسكر مستعد للتسليم (كبدر والشهداء)، ومعسكر رافض تمامًا (كتائب حزب الله والنجباء)، ومعسكر رابع ينتظر.
هذا الانقسام الجوهري حول مسألة مصيرية مثل نزع السلاح يعكس غياب المرجعية الكاريزمية الميدانية الموحدة التي كانت تضبط إيقاع المحور في عهد قادة النصر (سليماني والمهندس). إن غياب هذا التلاحم الروحي والتنظيمي جعل الفصائل تتسابق نحو مكاسب سياسية مؤقتة (أشبه بالركض نحو ملك الري)، غافلين عن أن الهيكل الذي بنوه على مدار ربع قرن مهدد بالانهيار التام.
“شِقاق أمريكي جديد”: استهداف البيشمركة وتفكيك التوازنات
لم يتوقف السيناريو الأمريكي عند حدود الفصائل الشيعية، بل امتد ليشمل المكون الكردي عبر مقترحات المبعوث الأمريكي “تام باراك” الداعية إلى حل قوات البيشمركة وإدماجها في المنظومة الاتحادية. هذه الخطوة تمثل خطيئة معرفية وجيوسياسية؛ فالبيشمركة ليست مجرد ميليشيا، بل هي جزء من العقيدة القومية والهوية الكردية المتجذرة في الجغرافيا والتاريخ.
إن محاولة واشنطن العودة بالبلاد إلى نموذج “الدولة المركزية المتشددة” عبر تفكيك المكونات المسلحة للأكراد والشيعة معًا، تستهدف ضرب التوازنات الحساسة التي صاغها الدستور العراقي، وإدخال البلاد في نفق مظلم من الحروب الأهلية والقومية التي تسبق الغزو الكبير.
الفكرة المبتكرة: “المرحلة صفر” والغزو البري المرتقب
إن الرؤية التحليلية الجديدة التي نطرحها هنا تؤكد أن اتفاقيات وقف إطلاق النار، وحرب الاثنتي عشرة ساعة، والمفاوضات الجارية، وتجريد الفصائل من السلاح، كلها أجزاء مترابطة من مشروع واحد. واشنطن تلقت درسًا قاسيًا بأن القوة الجوية والصاروخية لإسرائيل لم تحسم معارك لبنان وغزة، وبناءً عليه، وصلت إلى قناعة استراتيجية بأن إسقاط طهران وتفكيك جغرافيتها السياسية يمر حتمًا عبر غزو بري جديد للعراق وتطهيره من القوى المؤيدة للمقاومة.
إن تسليم السلاح في هذه المرحلة لا يعد “حكمة سياسية”، بل هو خطأ استراتيجي يرقى إلى مستوى “الخيانة للأمانة الاستراتيجية” التي وضعتها الجماهير في أعناق هذه الفصائل.
السيناريو البديل: الاستعداد الشعبي العابر للحدود
إدراكًا من قيادة محور المقاومة لخطورة هذا المخطط، بدأت تتبلور استراتيجية مضادة صامتة. حيث تشير المعطيات إلى أن الحرس الثوري الإيراني بدأ بالفعل في إنشاء وتأهيل تشكيلات شعبية محلية على شكل ألوية وفرق عسكرية داخل إيران، ليس للاستخدام الداخلي، بل لتكون القوة البديلة المستعدة للتدخل والدفاع عن العمق الاستراتيجي في العراق إذا ما فرضت الحكومة العراقية قيودًا على القوات الرسمية، تاركة الساحة للفصائل الرافضة التمسك بسلاحها لإدارة معركة الردع الأرضي.
خاتمة: الخطيئة الاستراتيجية الكبرى
إن السعي الأمريكي لإعادة احتلال العراق بريًا أو تحويله إلى منصة لضرب إيران عبر بوابة التجريد العسكري للشعب العراقي، سيكون بمثابة خطيئة استراتيجية كبرى تفوق حماقة غزو عام 2003. إن وعي الشعوب، والدماء التي سُفكت في جبال كردستان وسهول الجنوب، والروح السارية في عروق فصائل المقاومة الرافضة للتدجين، ستكون الصخرة التي تتحطم عليها هذه المؤامرة الإقليمية الجديدة، ليبقى السلاح هو الضامن الوحيد للسيادة، وليس الوعود الدبلوماسية الزائفة.
*نقلا عن راي اليوم

Exit mobile version