د. ميساء المصري*
هل ما نراه مجرد مشروع نقل، أم بداية ولادة محور اقتصادي جديد يمتد من الخليج إلى أوروبا عبر تركيا ويتجاوز جميع الترتيبات التي طُرحت منذ عام 2023 ؟ هذا هو السؤال الذي يستحق التحقيق العميق.
ليس كل ما يُكتب عن الرعب الإسرائيلي من مشروع إحياء خط الحجاز دقيقاً، وليس كل ما يُقال عن ولادة ممر اقتصادي جديد مجرد دعاية إعلامية. الحقيقة، كما يحدث غالباً في الشرق الأوسط، تقع في المنطقة الرمادية بين الوقائع الصلبة والمبالغات السياسية. لكن ما يجري اليوم يستحق التوقف عنده، ليس لأن قطاراً جديداً قد ينطلق بين تركيا والخليج، بل لأن خرائط النفوذ في المنطقة قد تكون على أعتاب إعادة تشكيل من نوع مختلف.
خلال الأيام الماضية، انتشرت تقارير تتحدث عن حالة ذعر في إسرائيل بعد الإعلان عن اتفاقيات سعودية تركية لإحياء خط الحجاز التاريخي وربط الخليج بأوروبا عبر تركيا وسوريا والأردن. بعض هذه التقارير ذهب أبعد من ذلك، متحدثاً عن انهيار مشروع الممر الاقتصادي الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي (IMEC) وعن انتصار استراتيجي كبير للرئيس التركي رجب طيب أردوغان على حساب إسرائيل.
لكن التدقيق في الوقائع يكشف صورة أكثر تعقيداً.خاصة ما مدى أمان هذا الخط في منطقة مشتعلة ؟
أولاً، نعم، هناك اتفاقيات سعودية تركية حقيقية تم توقيعها في يونيو 2026 في مجالات السكك الحديدية والخدمات اللوجستية. هذه ليست شائعات أو تسريبات إعلامية، بل اتفاقيات أعلنتها الجهات الرسمية في البلدين. غير أن هذه الاتفاقيات ليست إعلاناً عن مشروع ضخم مكتمل التمويل يمتد من إسطنبول إلى الخليج، كما حاولت بعض الروايات الإيحاء. ما تم توقيعه هو إطار للتعاون وتبادل الخبرات وتطوير البنية اللوجستية، وهو فارق استراتيجي مهم يجب عدم تجاهله.
ثانياً، إحدى أكثر النقاط التي جرى تضخيمها تتعلق بالحديث عن تمويل بقيمة 750 مليون دولار من بنك التنمية الآسيوي للمشروع الجديد. بالعودة إلى الوثائق الرسمية، يتضح أن هذا التمويل يخص مشروعاً سككياً داخل تركيا يهدف إلى تعزيز الربط بين آسيا وأوروبا عبر شمال إسطنبول، ولا يرتبط مباشرة بخط الحجاز أو بالممر المقترح عبر سوريا والأردن والسعودية. وهذه نقطة أساسية، لأن جزءاً كبيراً من الزخم الإعلامي حول المشروع استند إلى هذا الرقم باعتباره دليلاً على دخول المشروع مرحلة التنفيذ، وهو ما لا تؤكده الوقائع الحالية.
مع ذلك، لا يمكن اعتبار الفكرة مجرد وهم إعلامي. فهناك بالفعل حديث متزايد عن إحياء خط الحجاز التاريخي، كما توجد دراسات ومناقشات تتناول إمكانية إنشاء ممر بري يربط تركيا بسوريا والأردن والسعودية وصولاً إلى الخليج. وهذا يعني أن المشروع ما زال في مرحلة التفكير والتخطيط، لكنه ليس مجرد خيال سياسي.لكن ما مدى نجاحه وكيف ؟؟
ان جوهر القصة لا يتعلق بالسكك الحديدية بقدر ما يتعلق بسوريا. فعند النظر إلى الخريطة، يتبين أن تركيا تمتلك شبكة النقل المتقدمة، والسعودية تمتلك القدرة التمويلية، والأردن يشكل حلقة عبور مهمة، لكن سوريا تظل العقدة الجغرافية الحاسمة. من دون استقرار سياسي وأمني في سوريا، لن يكون لأي ممر بري إقليمي فرصة حقيقية للتحول إلى واقع اقتصادي مستدام.
ومن هنا تظهر القراءة الأعمق لما يجري. فالقضية ليست مجرد إعادة إحياء خط تاريخي، بل احتمال إعادة دمج سوريا في الاقتصاد الإقليمي بعد سنوات طويلة من العزلة والصراع. أي مشروع نقل عابر للحدود يمر عبر الأراضي السورية يعني عملياً استثمارات ضخمة في البنية التحتية وربطاً جديداً للاقتصاد السوري بالأسواق الإقليمية.لكن ماذا عن الخطط المرسومة للدور السوري في لبنان ؟ هل هنالك خطط بديلة ؟؟
دعونا نتجه نحو إسرائيل، هل المشروع يشكل تهديداً مباشراً لها، ام انه يقلل من أهميتها الاستراتيجية. هناك فرق كبير بين إضعاف دولة وبين بناء بدائل تجعل المرور عبرها غير ضروري. مشروع IMEC الذي حظي بدعم أمريكي كان يقوم على فكرة جعل إسرائيل محطة رئيسية في حركة التجارة بين الخليج وأوروبا. أما أي ممر يربط الخليج بتركيا وأوروبا عبر سوريا والأردن، فهو يقدم خياراً مختلفاً لا يحتاج إلى المرور عبر الأراضي الإسرائيلية ولماذا الآن بات الجميع يفكر خارج الصندوق ؟؟.
وهنا هل نفهم بعض القلق الإسرائيلي المحتمل. فالمسألة لا تتعلق بالمواجهة العسكرية، بل بالمنافسة على الموقع الجغرافي ثم الدور الاقتصادي. الدول لا تقيس نفوذها فقط بما تمتلكه من قوة عسكرية، بل أيضاً بما تسيطر عليه من ممرات تجارية وشبكات لوجستية.وايران خير درس للجميع .
مع ذلك، فإن الحديث عن انهيار مشروع IMEC يبدو سابقاً لأوانه. لا توجد مؤشرات رسمية على إلغائه، كما لا توجد قرارات معلنة تؤكد موته سياسياً أو اقتصادياً. ما يمكن قوله بدقة هو أن الحروب والتوترات الإقليمية أبطأت زخمه ورفعت مستوى التحديات أمامه، لكن هذا يختلف كثيراً عن إعلان نهايته.رغم الحاجة العربية لإعلان ذلك .
ما تكشفه التطورات الحالية في الواقع هو ثلاثة تحولات استراتيجية أكبر من قصة القطار نفسها. أولها أن السعودية باتت لا تراهن على مسار واحد أو شريك واحد، بل تعمل على بناء شبكة خيارات متعددة تمتد من الخليج والبحر الأحمر إلى العراق وتركيا وأوروبا. وثانيها أن تركيا تسعى إلى استثمار موقعها الجغرافي لتحويل نفسها إلى بوابة رئيسية بين الخليج والأسواق الأوروبية. أما التحول الثالث، وربما الأهم، فهو عودة الجغرافيا التاريخية إلى الواجهة.
فالمسار المقترح من إسطنبول إلى دمشق ثم عمان والحجاز يشبه إلى حد بعيد المسارات التجارية التي كانت قائمة قبل أكثر من قرن. حيث كان الإنجليز يرفضون مضمونها وكأن المنطقة تعيد اكتشاف منطقها الجغرافي القديم بعد عقود من الانقسامات والصراعات أو الاستعمار المستمر .
الخلاصة أن ما يحدث اليوم لا يؤكد انهيار مشروع إسرائيلي ولا يثبت نجاح مشروع تركي سعودي بشكل نهائي. ما نعرفه يقيناً هو وجود اتفاقيات حقيقية، ونقاشات جدية حول ممرات بديلة، ودراسات لإحياء خط الحجاز. أما ما لا نعرفه بعد فهو ما إذا كانت هذه الأفكار ستتحول إلى مشاريع مكتملة على الأرض أم سيتم ردمها ؟
لكن المؤكد أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة تصبح فيها طرق التجارة والعبور أكثر أهمية من كثير من خطوط التماس العسكرية. وقد يكون الصراع الأكبر خلال العقد المقبل ليس على الحدود، بل على من يملك مفاتيح الربط بين آسيا وأوروبا، ومن ينجح في تحويل موقعه الجغرافي إلى مصدر نفوذ دائم في النظام الإقليمي الجديد.
*كاتبة سياسية اردنية
