اليمن الحر الأخباري

تفاهة الشر اللبناني: في انتظار معجزة نتنياهو!

د. لينا الطبال*
نعم! الجميع هنا وهناك يتحدثون عن الهزيمة! قرأتُ ما كتبه “جدعون ليفي” في “هآرتس”.. يقول إن الجميع في إسرائيل —الجنرالات، والمحللون، والأمهات الثكالى، حتى الحجارة— يتملكهم ذعر الهزيمة، باستثناء شخص واحد: “بيبي” نتنياهو! يا للمهزلة!
“بيبي” يقف فوق الأشلاء، ينظر بإعجاب إلى نفسه في المرآة، ربما يصفف شعر غرّته، ويغمض عينيه ويغرق في هذيان “النصر المطلق”! تباً له، كم هو بارع في بيع الأوهام لأناس تدرك في قرارة نفسها أنها تسير نحو الهاوية…
لكن، انتظروا! التفتوا معي إلى الجانب الآخر من الحدود.. إلى “كوكب بعبدا” في بيروت! عندنا في لبنان، السلطة الحاكمة ،هذه الكائنات الهلامية، لديها هي الأخرى إنكارها الخاص، تماماً مثل “بيبي”! يتحدثون عن “جلب وقف إطلاق النار”.. كيف؟
بتوقيع ورقة من “بيبي” نفسه! يا للعبقرية الفذة! ينتظرون من الذئب أن يوقّع صكّ أمانٍ للخراف!
العالم كله، من واشنطن إلى باريس، ومن طهران إلى بكين، يتحدث علناً وبصوت واحد عن “الدور الايراني” والخطوط الخلفية، ومفاتيح الحل والربط لجلب وقف إطلاق النار للبنان.. العالم كله يرى الفيل في الغرفة، باستثناء السلطة اللبنانية!
السلطة في لبنان تعصب أعينها بملء إرادتها، وتمارس عن قصدٍ العمى السياسي… كم هم مثيرون للشفقة والضحك سكان “كوكب بعبدا” وهم يتوهمون أنهم يصنعون سلاماً! في حقيقة الأمر، أنا لا أراهم إلا دمى بائسة، تتحكم بأطرافها خيوط خفية، وتخرج من أفواههم أصوات مستعارة لمخرجين حقيقيين يحركونها من وراء الكواليس.
الشر، يا قرائي الأعزاء، ليس بالضرورة وحشاً بقرون… في كثير من الأحيان، الشر هو هؤلاء السياسيون الهرمون في لبنان، الذين يرتكبون الخيانة بالصدفة، والكوارث ببساطة لأنهم “ينفذون التعليمات”، أو لأنهم يفتقرون تماماً إلى القدرة على التفكير الأخلاقي والمواجهة! إنهم يوقعون على صكوك دمار أوطانهم بابتسامة بلهاء وقلم “بِيك” رخيص!
هنا نصل تماماً إلى جوهر ما أسمته “حنا أرندت”: “تفاهة الشر” Banality of Evil.
وإذا سألتني: لماذا وصلنا إلى هذه الحالة المقرفة في لبنان؟
أجيبك للمرة المليون: تأمّل هذا القطيع الطائفي!
انقسامات عمياء.. جماهير تطيع أنظمتها وزعاماتها الفاسدة دون أن تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام أو تطرح سؤالاً واحداً! يصطفون إلى جانب الباطل، يبررون السقوط، ويقولون لك بكل استسلام وغثيان: ماذا نفعل؟
لا نستطيع أن نغير أي شيء!.. يا لها من حجة وضيعة! سلطة بأكملها تختار الاستسلام والعبودية… كنمط حياة!
على ضوء هذا الصراع الوجودي مع المحتل الإسرائيلي، يتضح الفارق الحاسم: لماذا تقاوم شعوب بينما تطيع شعوب أخرى سلطة بالية، مهترئة، وغير محقة؟
المقاومة، في جوهرها الأنثروبولوجي والسياسي، لم تكن في يوم من الأيام خيار أيديولوجي… المقاومة ببساطة هي غريزة الحياة في مواجهة الفناء، ومواجهة كل شيء بشع ومشوه.
لكن في بيروت، لدى هذه الطغمة الحاكمة والطبقة السياسية المهترئة، يجري التناغم والرقص المشترك، بوعي أو بدون وعي، (لا يهم طالما أن النتيجة واحدة) مع معزوفة البروباغندا الإسرائيلية. الهدف الوحيد هو تزييف المعركة وتغيير الصراع الحقيقي.
يطل علينا هؤلاء السادة من كوكبهم هناك، بملابسهم الفاخرة المستوردة وشعاراتهم الفاخرة المستوردة ايضا ليعلنوا بثقة:
“المشكلة تكمن في سلاح المقاومة، انزعوا هذا السلاح لكي نستعيد الدولة!”
يا للوعظ الكاذب! ويا للدجل الموصوف الذي يفتقر حتى إلى الذكاء السياسي!…
دعونا لا ننخدع بالشعارات… المعركة ليست مع قطعة حديد اسمها السلاح، العدو يخوض حربه ضد فكرة اسمها الحرية. ما تريد إسرائيل نزعه في الحقيقة هو إرادة الشعب اللبناني، ما تريد مصادرته هو قدرة هذا الشعب على الرفض.
العدو لا يطمع في الحديد (السلاح)، هو يطمع في الروح التي تحرّك هذا الحديد!
في النهاية، يستطيع المرء أن يسخر من “بيبي”، وأن يضحك من هذيانه بالنصر الحاسم فوق تلال الركام والأشلاء التي تصنع هزيمته، لكن المأساة الحقيقية ليست هناك في إسرائيل. المأساة هنا، في بيروت… المأساة في هذا الركوع الطوعي الذي يُقدَّم على أنه “حكمة”، وهذا الاستسلام الذي يُسوق على أنه “واقعية سياسية … هنا في بيروت تجلس السلطة بكامل بلاهتها بانتظار توقيع نتانياهو السحري الذي سيحل الأزمة وينزل بالسلام والبركات!
السادة في الكوكب القريب، غارقون في غيبوبة تامة، منفصلون تماما عن حركة التاريخ الحقيقية التي تدوس فوق سذاجتهم… وتحديدا، لا أجد خاتمة أصدق من استعارة هذه الجملة لـ “سيلين”:
“الذين يركعون أمام الجلاد بحجة أنه لا يمكن تغيير شيء، لا يستحقون حتى الشفقة عندما يهوي الساطور على رقابهم!”
*كاتبة واكاديمية وباحثة لبنانية – باريس

Exit mobile version