د. عبدالله الأشعل*
يرجع أصل المشروع الصهيونى إلى مجموعة من الافتراضات الكاذبة.
الفرض الأول: أن فلسطين كان يسكنها اليهود وحدهم وأن الفلسطينيين هم الذين احتلوها وطردوا اليهود وشتتوهم فى كل بقاع الأرض وآن الآوان لاسترداد فلسطين حتى تكون خالصة لاهلها اليهود وأن قتلهم للفلسطينيين انتقاما مشروع إلى الغزاه ولذلك يعتبرون احتلال إسرائيل خارج قرار التقسيم للاراضى الفلسطينية أسترجاع وليس احتلال والذى ضل ورا هذه النظرية بشكل حديث هو بنيامين نتانياهو منذ 1996 .
الفرض الثانى : هو أن اليهود لديهم عقدة الاضطهاد بسبب عبقريتهم مقارنة بالشعوب الأخرى التى عاشوا معها وأن هذا الاضطهاد مشهود فى التاريخ بسبب عبقريتهم والحل ليس فى ارغام الشعوب الأخرى على احترام اليهود وانما ضرورة فصل اليهود عن هذه الشعوب وتجمعيهم بدولة خاصة بهم.
الفرض الثالث: وأن دولة اليهود لابد من أن تكون خالصة لهم لايخالطهم الفلسطينييون.
الفرض الرابع: وأن هذه الدولة ستتصف بأربعة صفات الصفة الأولى أنها تجسيد للعبقرية والابداع وقد تصور الرئيس بيريز فى كتابه الشرق الأوسط الجديد التزاوج بين رأس المال العربى والعمل العربى الرخيص وبين العبقرية اليهودية.
الصفة الثانية أن دولة اليهود ستكون رافعة للمنطقة من التخلف الاقتصادى والسياسى والثقافى ومن البربرية إلى مصاف الحضارة والرقى والديمقراطية.
الصفة الثالثة هى أن دولة اليهود امتداد حضارى لرسالة الغرب الديمقراطى ولذلك فهى الديمقراطية الوحيدة النموذج فى المنطقة.
الصفة الرابعة هى أن إسرائيل لابد أن تتسلح بكل الأسلحة لأنها زرعت فى بيئة عربية متخلفة وعادية ولذلك تصور نتانياهو أن إسرائيل لابد أن تقضى على العرب وتبيد الشعب الفلسطينى حتى تخلو الأرض من السكان ويتم استقدام يهود العالم لكى تقوم إسرائيل الكبرى.
الفرض الخامس: أن إسرائيل هى المقدمة العملية للمشروع الصهيونى .
الفرض السادس: هو أن إسرائيل كومنولث اليهودى .
الفرض السابع: هو أن إسرائيل لابد أتخفى مقاصدها الحقيقية وأن تنفذ أهدافها على مراحل .
الفرض الثامن: هو أن إسرائيل لابد أن يكون لديها أوراق القوة الاساسية وهى ثلاثة أولها الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة والغرب من ورائها وثانيها ضرورة التمسك بالممارسات الديمقراطية بالنسبة لليهود فقط أما الفلسطينييون داخل إسرائيل على ضرر أن يتمتعوا بالجنسية الإسرائيلية وأن ينفرد اليهود بالمواطنة وثالثها ضرورة استخدام القوة ضد الدول المجاورة واحتلال أراضيها ورد بعض هذه الاراضى مقابل التخلى عن الصراع مع إسرائيل وتطبيقا لذلك احتلت الجولان فى سوريا وسيناء فى مصر والضفة الغربية والقدس فى فلسطين.
الفرض التاسع: هو ضرورة استقدام ما تيسر من يهود العالم وتسكينهم فى الأراضى الفلسطينية والعربية المحتلة بصفتهم مستوطنون وبعد ذلك تضم إسرائيل المستوطنات إليها فى أى تسوية قادمة ولهذا السبب تمسك بيجن رئيس وزراء إسرائيل بالمستوطنات فى سيناء ورفض رفضا قاطعا طلب الرئيس كارتر لسحب المستوطنات من سيناء ولكى يشجع كارتر بيجن على هذه الخطوة ويمكنهم من اقناع الكانست بذلك أصدر الرئيس كارتر تعهدا لبيجن بأن واشنطن لا تمانع بعودة إسرائيل لاحتلال سيناء إذا قامت فى القاهرة حكومة تعادى إسرائيل.
الفرض العاشر: هو اندماج إسرائيل فى المنطقة والقضاء على العروبة واحلال الصهيونية محلها صفة للمنطقة ويترتب على ذلك ازاحة مؤسسا العمل العربى المشترك والجامعة العربية وازالة اسم العالم العربى لكى يحل محلة الشرق الأوسط الجديد .
الفرض الحادى عشر: هو أن مصر هى المعول عليها فى العالم العربى ولذلك استهدف المشروع الصهيونى مصر بالاساس للقضاء عليها والسيطرة على قراراها واخراج مصر من الجغرافيا والتاريخ وتصورت إسرائيل ومعها واشنطن أن سد النهضة ومنع المياه عن مصر هو الذى يحقق ذلك فمصر بغير النيل عدم وقديما قال المؤرخ اليونانى هيرو دوت بأن مصر هبة النيل وبالفعل نشأت مصر على شواطئ النيل وتوزع سكانها بجوار النيل حتى أن جمال حمدان فى كتابه الموسوعى شخصية مصر أكد أن النيل يحمى مصر من الزوال والفقر والتقصير فإذا زال النيل تحققت هذه المصائب الكبرى لمصر: الزوال والفقر والتقسيم.
ونلاحظ أن هذه الأفقار انتشرت بشكل أو بآخر بين اليهود منذ العصور الوسطى ولكن ظهر الصحفى النمسوى اليهودى تيدور هرتزل وتجاسر على نشر كتابه الدولة اليهودية وكان هذا الكتاب هو أصل المشروع الصهيونى الذى تمت مناقشته فى خمسة مؤتمرات بدأت بمؤتمر بازل فى اغسطس 1897. والملاحظ أن هذا المشروع كان حلما لايؤيد الواقع ولذلك قوبل المشروع بالاستخفاف والاعتداء على هرتزل ووصفه اليهود بأنه مجنون وأنه يتلاعب بمأساة اليهود واضطهادهم فى كل أماكن وجودهم خاصة أنه سبق نشر الكتاب مجموعة من حوادث الاضطهاد المؤسفة فى مختلف الدول الأوروبية خاصة فى روسيا وفرنسا ذلك الاضطهاد الذى أدى بكل دول أوروبا بأن تطرد اليهود منها فى فترات متعاقبة ولكنهم كانوا يعودوا إلى البلاد الذى طردوا منها.
ولكن هذا المشروع وجد دعما هائلا من شخصيات يهودية كبيرة ومن برطانيا العظمى فى ذلك الوقت ولذلك بدأت محطات المشروع الصهيونى التى سجلها التاريخ على نحو حذر وهذه المحطات الاساسية هى
أولاً: اتفاق سايكس بيكو فى 19 مايو 1916 خلال الحرب العالمية الأولى التى بدأت 1914 وانتهت 1918 .
ثانياً: المحطة الثانية هى تصريح اللور بلفور وزير خارجية بريطانيا امام مجلس العموم البريطانى الثانى من نوفمبر 1919 وبهذا التصريح انتقل المشروع من الحلم إلى بداية الواقع ونزل على الأرض اشتباكا جسور مع الواقع حيث تعهدت بريطانيا العظمى برعاية المشروع وتنفيذه على الأرض حيث نص التعاهد على اقامة وطن قومى فى فلسطين لليهود ولم يكن هذا التعهد كطابقا للمشروع الصهيونى ولم ينص التعهد على فلسطين كلها إلى وطن قومى لليهود ولكن السياسة العملية لبريطانيا العظمى اقنعت اليهود بالأمل فى متابعة حلمهم بالاستيلاء على كل فلسطين .
ثالثا: المحطة الثالثة 1918 حيث نشأت الوكالة اليهودية ومثلت اليهود فى مؤتمر فرساى للسلام وتولت الوكالة الاشراب على تهجير اليهود من روسيا واوكرانيا فى موجات متتالية بدأت فى منتصف القرن التاسع عشر ثم أن عهد العصبة الذى تبنته فرنسا وضع نظام الانتداب فى المادة 22 من العهد وكان الانتداب هو التستر على جهود بريطانيا فى انشاء إسرائيل .
رابعا: المحطة الرابعة هى دخول واشنطن لمباركة المشروع فى مؤتمر حاشد فى ضواحى مدينة واشنطن عام 1922 .
خامساً: المحطة الخامسة هى تشكيل العصابات الصهيونية لكى تكون أداة لانشاء إسرائيل ولذلك توزعت هذه العصابات مع الجيش البريطانى خلال الحرب العالمية الثانية للتدريب والحصول على الأسلحة فكانت هذه العصابات جاهزة للاستيلاء على فلسطين بالقوة.
سادساً: المحطة السادسةهى قرار التقسيم رقم 181 فى 29 نوفمبر 1947 وهكذا انتقل المشروع إلى المستوى الدبلوماسى طلبا لتأييد المجتمع الدولى ممثلا فى موسكو وواشنطن اللتين أيدتا المشروع وتقسيم فلسطين وبالطبع كان قرار التقسيم اختبارا للعرب الذين رفضوه بالطبع كما رفضته إسرائيل أيضاً ورفضت إسرائيل على لسان أبا أيبن مندوب الوكالة اليهودية فى الجمعية العامة للامم المتحدة أن يكون قرار التقسيم أساساً لشرعية إسرائيل والملاحظ أن العرب يرددون فى قممهم صيغة ساسزجة هى قيام دولة فلسطينية على حدود أربعة يونيو 1967 وعصمتها القدس الشرقية ولنا على هذه الصيغة ملاحظتان الأولى هى أن حدود الرابع من يونيو تضيف إلى إسرائيل بالاضافة إلى قرار التقسيم حوالى 21% من مساحة فلسطين فهو اعتراف عربى مجانى بهذه المساحة مكافأة لإسرائيل والملاحظة الثانية هى أن القدس لم تكن مقسمة وانما قسمتها إسرائيل حين استولت على غرب القدس للإرهاب عام 1949 ثم احتلت شرق القدس عام 1967 واعتبرت إسرائيل غرب القدس جزءا منها بينما شرق القدس تعتبر أراضى فلسطينية محتلة فكأن الصيغة العربية للسلام تكرس موقف إسرائيل ولذلك استخفت إسرائيل بالمواقف العربية فى هذا الشأن.
سابعاً: المحطة السابعة عام 1948 حيث نشأت إسرائيل فى 15 مايو من ذلك العام وانتصرت إسرائيل على ستة جيوش عربية وحاصرت الجيش المصرى فى الفلوجى فى غزة ورفضت فك الحصار عنه حتى اضطرت مصر فى أولى خطوات الابتزاز الإسرائيلى إلى توقيع اتفاقية الهدنة مع إسرائيل فى 9 فبراير 1949 فى جزيرة روديس واستولت إسرائيل على أمم رشرش المصرية بعد توقيع اتفاقية الهدنة واطلقت عليها ايلات ولم تطالب مصر بها أبدا.
تاسعاً: المحطة التاسعة هى عدوان 1967 ولكن حرب التحرير 1973 لم تمحو أثار الهزيمة عام 1967 بل كان تقارب السادات من واشنطن عام 1972 قبل الحرب فى تحويل النصر العسكرى إلى ما اعتبره هزيمة سياسية ودبلوماسية كاملة بسبب أوهام السادات حول واشنطن والمشروع الصهيونى تلك الاوهام التى مازالت سببا فى تفرق المصريين فى تقييم معاهدات السلام.
وقد تحول الصراع العربى الإسرائيلى منذ عام 1979 إلى مجرد نزاع فلسطينى إسرائيلى وفى ذلك المناخ نجحت إسرائيل بمساعدة واشنطن فى اختراق العالم العربى بحيث ضمت إلى مصر والأردن مجموعة أخرى من الدول فى إطار الهيمنة الإسرائيلية وهى البحرين والامارات والمغرب والسودان .
ولذلك أصيبت إسرائيل بالفزع من عمليات المقاومة الفلسطينية فى السابع من اكتوبر 2023 .
*كاتب ودبلوماسي مصري
جذور المشروع الصهيونى ومحطاته ومآلاته!
