اليمن الحر الأخباري

“أوسلو اللبنانية”..هل تقع السلطة السياسية في الفخ مرة جديدة ؟

إيڤاريتا جعفر*
بين حصار بيروت عام 1982 الذي مهّد لاتفاقية “أوسلو”، وبين رماد القرى المدمرة في جنوب لبنان اليوم، (تزامنا مع حصار سياسي على بعبدا)، يبدو أن أدوات الإذعان الإسرائيلي لم تتغير. تعيد السلطة السياسية في لبنان اليوم تبني ذات الخطوة “الخطيئة” التاريخية لـ “ياسر عرفات” عام 1993، بالذهاب إلى مفاوضات مباشرة تحت حد السلاح واستراتيجية الأرض المحروقة. إنه ذات الفخ القديم المتجدد: الاستسلام للابتزاز العسكري، والتنازل المسبق عن عناصر القوة الميدانية، والقبول بتحويل القوانين السيادية إلى عقبات إجرائية يُراد تفكيكها لإرضاء الخارج، لينتهي المشهد بمنح المحتل غطاءً شرعياً لاستباحة البلاد تحت مسمى “الترتيبات الأمنية”
إعادة إنتاج “الترتيبات الأمنية” لأوسلو
لا يمكن قراءة المسار التفاوضي الحالي بمعزل عن المشهد الميداني المعقد؛ فرغم دخول لبنان حيز تنفيذ وقف إطلاق النار الناجم عن التفاهمات الأمريكية-الإيرانية الأخيرة، إلا أن هذا الهدوء يبقى قناعاً هشاً يخفي خلفه استمراراً للعدوان بآليات أخرى. إن بقاء قوات الاحتلال جاثمة على الأرض اللبنانية، وتحليق المسيرات المستمر في أجواء العاصمة بيروت، بالتوازي مع الاستهدافات الموضعية المتكررة في الجنوب، يثبت أن طاولة المفاوضات لا تزال تدار تحت حد السلاح. هذا المشهد هو استنساخ حرفي لما بعد اتفاقية “أوسلو” عام 1993؛ حيث وُعد الفلسطينيون بسلام موهوم، بينما بقي الاحتلال بمختلف صوره.
فخ “حرية الحركة”: هدايا مجانية للمحتل
لا يتشابه الطرفان في الميدان فقط، بل في الخطأ الاستراتيجي الكبير على طاولة المفاوضات، والمتمثل بتقديم تنازلات مسبقة دون مقابل. ففي عام 1993، ارتكب الوفد الفلسطيني خطأً قاتلاً عندما سارع إلى تقديم رسائل اعتراف بالاحتلال والتخلي عن المقاومة قبل أن يضمن تفكيك ولو مستوطنة واحدة أو يستعيد شبراً من الأرض، فدخل المفاوضات بلا أي أوراق ضغط.
واليوم، تقع السلطة السياسية في لبنان في ذات الفخ؛ فبدلاً من الاستناد إلى صمود الميدان لفرض شروط تحمي البلد، نراها تتماشى مع الضغوط الدولية. ويظهر ذلك بوضوح في محاولاتها لإرضاء الوسيط الأمريكي عبر الإيحاء بأن المقاومة وسلاحها هما أصل المشكلة، وليس الاحتلال واعتداءاته المستمرة. إن تخلّي السلطة عن عناصر قوتها يضعف الموقف اللبناني أمام الشروط الخارجية.
هندسة الخرائط بالدبلوماسية: من مربعات (أ، ب، ج) إلى فخ “المنطقة المكشوفة” في الجنوب
الهدف النهائي للاحتلال في أي تفاوض غير متكافئ ليس الوصول إلى السلام، بل الحصول على غطاء قانوني لاستباحة الأرض؛ وهذا هو وجه الشبه الأكثر خطورة بين التجربتين. ففي اتفاقيات أوسلو، قُسّمت فلسطين إلى مناطق أمنية مخترقة، وأعطى الاحتلال لنفسه الحق في اقتحام المدن والقرى ساعة يشاء بذريعة “الترتيبات الأمنية”، مما حوّل السيادة الفلسطينية إلى مجرد وهم بروتوكولي.
واليوم، يُراد تطبيق ذات النموذج في لبنان؛ فالمسودة الحالية للمفاوضات والضغوط الدولية تطالب بمنح الكيان المحتل ما يسمى “حرية الحركة” في الأجواء والأراضي اللبنانية بذريعة مراقبة وقف إطلاق النار ومنع أي تهديد. إن القبول بهذا الشرط يعني ببساطة تحويل الخروقات الحالية، إلى “حق قانوني ومشرعن” برعاية دولية وبموافقة السلطة اللبنانية.
خنق السيادة بالمال: من حصار عرفات المالي إلى فخ “إعادة الإعمار” في لبنان
لا يمكن أن نفصل الشروط الصعبة في المفاوضات عن الضغوط الخارجية الكبيرة التي تُمارس خلف الكواليس. تاريخياً، رتبت أمريكا والمجتمع الدولي اتفاق “أوسلو” عبر محاصرة ياسر عرفات، و وضعه أمام خيارين: القبول بالشروط الإسرائيلية، أو العزل السياسي التام.
اليوم، يتكرر المشهد نفسه وبذات الأدوات ضد لبنان. فالوسيط الأمريكي والمجتمع الدولي يمارسون ابتزازاً علنياً ضد السلطة اللبنانية؛ حيث يربطون ملفات إعادة الإعمار، والمساعدات الدولية، بالاستسلام الكامل لمطالب الاحتلال ومنحه “حرية الحركة” في أجوائنا. التخلي عن السيادة والأرض، أو الجوع والعزلة عن العالم.
استثمار التعب المجتمعي: كيف يُحوّل المحتل جراح الناس إلى انقسام سياسي؟
أكبر الجرائم التي ترتكبها اتفاقيات الإذعان هي أنها لا تكتفي بتمزيق الجغرافيا، بل تمزق المجتمع من الداخل. فبعد توقيع اتفاق أوسلو، رأى جزء واسع من الشعب أن قيادة السلطة فرّطت بالحقوق التاريخية وقبلت بدور “المخبر الأمني” للاحتلال، مما خلق شرخاً داخلياً حاداً وصراعاً فصائلياً مأساوياً ما زالت القضية الفلسطينية تنزف بسببه حتى اليوم.
هذا السيناريو المرير يُعاد إنتاجه الآن في لبنان حول مسألة المفاوضات المباشرة وشروطها المذلة. الشارع اللبناني يعيش اليوم حالة انقسام حاد؛ فهناك تيار سياسي واجتماعي يدفع نحو القبول بأي شروط بحجة الرغبة في الخلاص من الحرب. في المقابل، يقف تيار واسع يرى في هذه المفاوضات فخاً لتجريد لبنان من أسلحة دفاعه، وطعنة لتضحيات اللبنانيين. هذا التشظي الداخلي هو أخطر ما يطمح إليه الاحتلال؛ لأنه يحول الصراع مع العدو، إلى معركة أهلية باردة داخل البيت الواحد.
معادلة” الخذلان السياسي”
إن القراءة المنصفة للتاريخ تفرض علينا الاعتراف بأن الذهاب إلى هذه المفاوضات لم يكن ترفاً، بل جاء مغموساً بالدم. فياسر عرفات لم يوقّع أوسلو إلا بعد عقود من الكفاح المسلح، وقوافل من الشهداء.
وفي لبنان اليوم، تدفع البلاد ضريبة دم باهظة وغير مسبوقة. شهداء-دمار-نزوح، في أكبر كارثة إنسانية عرفها لبنان ربما.
المفارقة المؤلمة والتشابه المخيف بين التجربتين يكمنان في طريقة إدارة هذه الدماء؛ فبدلاً من أن تستند السلطة السياسية إلى هذه التضحيات الهائلة كأوراق ضغط قوية لفرض شروط تحمي السيادة الكاملة، نراها تستخدمها “ذريعة” لتبرير الاستسلام وقبول الشروط المذلة. إن تحويل دماء الشهداء وعذابات النازحين من رافعة للكرامة الوطنية إلى حجة لتمرير “الاتفاقات الهشة” هو الطعنة الأكبر التي تجمع بين مأساة أوسلو والواقع اللبناني الحالي.
انقلاب وظيفة السلاح: من ملاحقة المقاومين في فلسطين إلى هندسة “الحارس الوظيفي” في لبنان
كما أوسلو، ينصب اليوم فخ للبنان، من خلال شروط المفاوضات الحالية؛ فالهدف الأساسي خلف الكواليس ليس مجرد وقف إطلاق النار، بل تجريد لبنان من قوة الردع التي تحميه. والتشابه هنا واضح ومخيف؛ إذ يُراد من السلطة اللبنانية أن تتعهد بإنهاء مظاهر المقاومة وتفكيك سلاحها. والقبول بهذه الشروط يعني ببساطة تحويل مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية، بضغط ورعاية دولية، من قوة تحمي الحدود والسيادة الوطنية، إلى “حارس أمني” وظيفته الأساسية منع أي رد فعل لبناني وضمان أمان المستوطنات الإسرائيلية. إنه ذات السيناريو: نزع مخالب الضحية ليرتاح الجلاد. غير أن عرفات كان له تأثيره على جناح مهم في حركات المقاومة الفلسطينية، بينما السلطة السياسية في لبنان لا تملك أي تأثير يذكر على المقاومة… ولا على حاضنتها الشعبية.
الجيش والتركيبة السياسية .. هل تكون عوامل كابحة؟
هناك عوامل كابحة في التجربة اللبنانية لا تجعل بالضرورة من المسار الحالي أمراً واقعاً ، ففي فلسطين لم تكن دولة ولا جيش ، وما تم تأسيسه من مؤسسات للسلطة الفلسطينية كانت على أساس اتفاق أوسلو وما ترتب عليه من التزامات أمنية وسياسية ، أما في لبنان فتلعب التركيبة السياسية دوراً في كبح جماح السلطة الحالية ، وللجيش اللبناني بعقيدته العسكرية وتركيبته الداخلية دور أيضاً في تجنب لعب دور الأجهزة الأمنية الفلسطينية ما بعد أوسلو ، وهو ما يشكل عامل كبحٍ يبقى الرهان عليه أسيراً للمراحل القادمة.
جرس الإنذار الأخير…
إن المقارنة بين خطيئة “أوسلو” والمفاوضات الحالية في لبنان هي جرس إنذار أخير؛ فالتاريخ يعلّمنا أن التفاوض من موقع الضعف، وتقديم التنازلات المسبقة، والتخلي عن السلاح مقابل وعود دولية واهية، لا يجلب سلاماً، بل يشرعن الاحتلال ويفجر البيت من الداخل.
يقف لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما السقوط في فخ “الأوسلوية اللبنانية” وتحويل الدولة إلى حارس أمني للجلاد، وإما الاستناد إلى صمود الميدان ودماء التضحيات لفرض معادلة سيادة حقيقية. العبرة واضحة ومكتوبة بالدم: من يتنازل عن مخالبه على طاولة المفاوضات، يوقع بيده صك استسلامه..
*كاتبة لبنانية

Exit mobile version