اليمن الحر الأخباري

من خطاب الطمأنة إلى سياسة القوة!

نور ملحم*
في العلاقات الدولية، لا تُقاس الدول بما تقوله، بل بما تفعله. فالتاريخ مليء بقوى رفعت شعارات السلام، وأكدت أنها لا تسعى إلى الهيمنة، ثم انتهى بها المطاف إلى توسيع نفوذها العسكري أو السياسي عندما امتلكت القدرة على ذلك. وبين الخطاب والممارسة تكمن حقيقة السياسة الدولية، إذ غالباً ما تكون الوعود الدبلوماسية انعكاساً لميزان القوى في لحظة معينة، لا التزاماً دائماً بالمبادئ. وما إن تتغير موازين القوة حتى تتغير معها اللغة والأولويات والاستراتيجيات.
الصين تمثل اليوم أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 1998، وقف الرئيس الصيني جيانغ زيمين أمام طلاب جامعة واسيدا في طوكيو معلنًا: “حتى لو تطورت الصين، فلن تمارس التنمر على الدول الأخرى، ولن تسعى للهيمنة”. جاءت تلك الكلمات في وقت كانت بكين حريصة فيه على طمأنة اليابان والعالم بأن صعودها سيكون سلميًا وتعاونيًا وغير مهدد.
لم يكن ذلك التصريح معزولاً عن سياقه، فقد جاء خلال زيارة رسمية إلى اليابان انتهت بإعلان ياباني-صيني مشترك لبناء شراكة صداقة وتعاون من أجل السلام والتنمية، في محاولة لتخفيف التوترات التي خلفتها الخلافات حول تايوان والذاكرة التاريخية. وفي تلك المرحلة، كانت قيادة جيانغ تمنح الأولوية للنمو الاقتصادي والانفتاح على الأسواق العالمية والاندماج في النظام الدولي، بينما حافظت الصين على ترسانة نووية محدودة نسبياً، ملتزمة بمبدأ الردع الأدنى وسياسة “عدم البدء باستخدام السلاح النووي”.
لكن الصين في عهد شي جين بينغ تبدو مختلفة إلى حد بعيد. فقد شهدت السنوات الأخيرة توسعاً سريعاً في الترسانة النووية الصينية، إذ ارتفع عدد الرؤوس الحربية العاملة من نحو 200 رأس في عام 2020 إلى ما يقارب 600 رأس اليوم، فيما تتوقع التقديرات الأمريكية أن يتجاوز العدد ألف رأس بحلول عام 2030. ولم يقتصر التحول على الكم، بل شمل النوع أيضاً، من خلال تطوير المركبات الانزلاقية فرط الصوتية، والصواريخ متعددة الرؤوس الحربية المستقلة، وإنشاء حقول ضخمة لصوامع الصواريخ، وهو ما يمثل تحولًا جذريًا عن السياسة النووية الصينية التقليدية.
ويترافق هذا التحديث العسكري مع سياسة أكثر حزماً في محيط الصين، سواء في بحر الصين الجنوبي أو مضيق تايوان أو بحر الصين الشرقي، حيث أصبحت القوة العسكرية أداة رئيسية في فرض الوقائع على الأرض، بما يثير قلق جيران بكين ويدفعهم إلى تعزيز قدراتهم الدفاعية.
ويعكس هذا التحول اختلافاً واضحاً بين فلسفة جيانغ وشي. فبينما اعتمد جيانغ على النمو الاقتصادي والتكامل مع الاقتصاد العالمي لتعزيز مكانة الصين، يستند شي بدرجة أكبر إلى النزعة القومية والقوة العسكرية لترسيخ شرعية الحزب الشيوعي الصيني داخلياً. كما أن جيانغ سعى إلى إدماج الصين في النظام الدولي القائم، في حين يعمل شي على إعادة تشكيل ذلك النظام بما يتوافق مع مصالح بكين. كذلك تغيرت البيئة الدولية نفسها؛ فالتفاؤل الذي أعقب نهاية الحرب الباردة حل محله عالم متعدد الأقطاب تسوده المنافسة الاستراتيجية، وأصبح الردع النووي عنصراً محورياً في حسابات القوة الصينية.
ولهذا، فإن التعهد الذي أطلقه جيانغ بعدم السعي إلى الهيمنة يبدو اليوم أقرب إلى رسالة دبلوماسية ارتبطت بمرحلة معينة أكثر منه مبدأً ثابتاً. فالتوسع النووي الحالي يعكس قناعة لدى القيادة الصينية بأن تعظيم القوة الاستراتيجية ضرورة لحماية النفوذ والمكانة الدولية. وبغض النظر عن تبريرات بكين التي تؤكد أن هذه الخطوات دفاعية وتهدف إلى الردع، فإن النتيجة العملية كانت تقويض جزء من الثقة التي بنتها الصين خلال عقود، وإطلاق سباق تسلح إقليمي متسارع.
وليس هذا التحول حكراً على الصين. فروسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي قدمت نفسها شريكاً يسعى إلى الاندماج مع الغرب، لكن مع صعود فلاديمير بوتين اتجهت إلى إعادة بناء قوتها العسكرية، وتحديث ترسانتها النووية، واستخدام القوة المسلحة في محيطها الإقليمي، من جورجيا إلى أوكرانيا، لتصبح القوة العسكرية مرة أخرى أداة رئيسية في سياستها الخارجية.
أما الولايات المتحدة، فقد بشرت بعد انتهاء الحرب الباردة بعالم أكثر استقراراً يقوم على النظام الدولي والتعاون، غير أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر دفعتها إلى تبني سياسة أكثر اعتماداً على القوة العسكرية، فشهد العالم تدخلات واسعة في أفغانستان والعراق تحت شعار مكافحة الإرهاب، وهو ما غيّر صورة السياسة الأمريكية لدى كثير من الدول.
وتقدم ألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى مثالاً آخر؛ إذ حافظ المستشار أوتو فون بسمارك على سياسة هدفت إلى حفظ توازن القوى الأوروبية، لكن وصول الإمبراطور فيلهلم الثاني أدى إلى سباق تسلح بحري وسياسة خارجية أكثر اندفاعاً، أسهمت في تصاعد التوترات التي انتهت بالحرب العالمية الأولى.
أما اليابان، فقد ركزت بعد إصلاحات ميجي على التحديث وبناء الدولة، لكنها تحولت في ثلاثينيات القرن الماضي إلى سياسة توسعية قادتها المؤسسة العسكرية، وانتهت باحتلال أجزاء واسعة من شرق آسيا، رغم أن الخطاب الرسمي كان يتحدث عن الأمن والاستقرار والازدهار المشترك.
وفي الحالة السورية، ورغم اختلاف السياق جذرياً عن الصين أو روسيا، فإن الفجوة بين الخطاب والممارسة كانت حاضرة أيضاً. فقد رفع النظام السوري لعقود شعارات السيادة وعدم التدخل في شؤون الآخرين، بينما لعب دورًا مؤثرًا في لبنان لعقود، وعدّه مؤيدوه ضرورة أمنية، في حين اعتبره منتقدوه شكلًا من أشكال الهيمنة على القرار اللبناني. وبعد عام 2011، أصبح الحديث عن الاستقلال والسيادة يترافق مع اعتماد متزايد على الدعم العسكري الخارجي، ما عمّق التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني.
إن القاسم المشترك بين هذه التجارب ليس أن جميع الدول أصبحت قوى مهيمنة بالقدر نفسه، بل أن الخطاب السياسي غالباً ما يتغير مع تغير ميزان القوة. فعندما تكون الدولة في طور الصعود، تميل إلى طمأنة الآخرين، وعندما تزداد قدراتها، يصبح الردع وإظهار القوة جزءاً من أدواتها لحماية مصالحها أو توسيع نفوذها. ولهذا فإن تقييم سياسات الدول يجب أن يستند إلى أفعالها لا إلى خطاباتها، لأن التاريخ أثبت مراراً أن الكلمات قد تتبدل، أما موازين القوة فهي التي تحدد في النهاية اتجاه السياسة.
*كاتبة سورية

Exit mobile version