د. معن علي المقابلة*
قد يربح جيشٌ معركة، لكنه يخسر الحرب. وقد يوقّع زعيمٌ معاهدة سلام، بينما يكون قد غيّر موازين القوى لمصلحة خصمه لعقود. لهذا، فإن تقييم أي مفاوضات لا ينبغي أن يبدأ بالسؤال: ماذا أخذ هذا الطرف؟
بل بالسؤال الأكثر عمقًا: ما الذي كان يريد تحقيقه منذ البداية، وهل حققه؟ هذه هي العدسة التي يجب أن ننظر من خلالها إلى مفاوضات كامب ديفيد، وإلى المفاوضات الطويلة بين الولايات المتحدة وإيران. في الحالة المصرية، لا يختلف اثنان على أن مصر استعادت سيناء، وأن ذلك كان إنجازًا وطنيًا كبيرًا أنهى احتلالًا صهيونياً استمر سنوات. لكن السياسة ليست دفتر حسابات بسيطًا تُجمع فيه المكاسب والخسائر بالأرقام.
فالدول الكبرى لا تتفاوض على الكيلومترات المربعة وحدها، بل تتفاوض على خرائط النفوذ، وعلى مستقبل الصراعات، وعلى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية بأكملها. من هذه الزاوية، يصبح السؤال مختلفًا: ماذا كان يريد الكيان الصهيوني أصلًا؟ منذ حرب أكتوبر 1973، أدركت القيادة الصهيونية أن الخطر الحقيقي لا يكمن في سيناء بحد ذاتها، بل في بقاء مصر، بثقلها العسكري والسياسي والديموغرافي، على رأس الجبهة العربية. واذا كان اعادة سيناء سيؤدي إلى إخراج مصر من دائرة الحرب، ثمنًا يمكن للكيان أن يدفعه وهو مطمئن إلى أنه حقق مكسبًا أكبر بكثير.
لقد فهم العقل الاستراتيجي الصهيوني أن الأرض يمكن استعادتها أو التفاوض عليها، أما تحييد أكبر قوة عربية فهو تحول تاريخي لا يُقدّر بثمن. لذلك لم يكن السلام بالنسبة للكيان مجرد إنهاء حرب، بل كان إعادة رسم للخريطة السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط. ولم يكن هذا الفهم غائبًا عن بعض المسؤولين المصريين أنفسهم.
فقد غادر وزير الخارجية المصري محمد إبراهيم كامل مفاوضات كامب ديفيد مستقيلاً، ثم كتب لاحقًا في مذكراته أن مصر قدمت تنازلات لم يكن يتوقعها حتى الجانب الصهيوني، وأن التفاوض جرى بصورة جعلت القرار النهائي يتركز في يد الرئيس أنور السادات أكثر من اعتماده على عمل مؤسسي تشاركي. سواء اتفقنا مع تقييمه أم اختلفنا معه، فإن شهادته تظل جزءًا مهمًا من السجل التاريخي لأنها صادرة عن أحد المشاركين في المفاوضات. ومنذ ذلك التاريخ، ظل الجدل قائمًا: هل كان استرجاع سيناء مكسبًا يفوق كل اعتبار، أم أن الثمن الاستراتيجي كان خروج مصر من قلب الصراع العربي الصهيوني؟
هذا سؤال لا يزال يختلف حوله المؤرخون والسياسيون حتى اليوم. وعلى الضفة الأخرى، تقدم إيران نموذجًا تفاوضيًا مختلفًا تمامًا. فطهران لم تدخل التفاوض وهي تبحث عن اتفاق سريع، ولم تتعامل مع الزمن بوصفه عامل ضغط عليها وحدها، بل حاولت تحويل الزمن نفسه إلى أداة تفاوض. امتدت الجولات سنوات طويلة، وتعاقبت الإدارات الأمريكية، وتغير الوسطاء، واشتدت العقوبات، ووقعت عمليات اغتيال وهجمات وتصعيد عسكري، ومع ذلك بقي باب التفاوض مفتوحًا.
قد يرى البعض أن هذا دليل على تعنت إيران، لكن يمكن قراءته أيضًا بوصفه استراتيجية تقوم على رفض تقديم تنازلات نهائية تحت ضغط الوقت، والإصرار على أن أي اتفاق يجب أن يراعي مصالحها الأساسية كما تراها هي. وفي المواجهات العسكرية الأخيرة، بدا واضحًا أن القوة العسكرية وحدها لم تُنهِ الخلاف، وأن جميع الأطراف عادت في نهاية المطاف إلى مسار الاتصالات والتفاوض.
وهذا لا يعني أن إيران فرضت كل شروطها، ولا أن الولايات المتحدة حققت جميع أهدافها، لكنه يعني أن أياً من الطرفين لم يتمكن من إلغاء الآخر أو فرض استسلامه السياسي. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين التجربتين. في كامب ديفيد، انتهت المفاوضات باتفاق شامل غيّر المشهد الإقليمي بسرعة. أما في الحالة الإيرانية، فإن المفاوضات نفسها أصبحت جزءًا من الصراع، لا وسيلة لإنهائه. لقد تحولت إلى معركة استنزاف سياسية طويلة، يحاول فيها كل طرف تحسين موقعه دون التفريط بأوراقه الأساسية. إن فن التفاوض لا يقاس بعدد الابتسامات أمام عدسات المصورين، ولا بعدد المصافحات، بل بالنتيجة التي تبقى بعد عشرين أو ثلاثين أو خمسين عامًا.
فالسياسة لا تعرف الانتصارات العاطفية، بل تعترف فقط بالنتائج التي تصمد أمام الزمن. من هذا المنطلق، يمكن القول إن الكيان الصهيوني حقق هدفًا استراتيجيًا بالغ الأهمية عندما نجح في إنهاء المواجهة العسكرية مع أكبر دولة عربية، وهو ما غيّر البيئة الأمنية المحيطة به لعقود. وفي المقابل، حققت مصر هدفًا وطنيًا كبيرًا باستعادة سيناء، وهو إنجاز لا يجوز التقليل من قيمته. لكن الجدل يبقى مشروعًا حول ما إذا كانت الكلفة الاستراتيجية لذلك الاتفاق كانت أكبر من المكاسب السياسية التي حققها.
أما إيران، فقد قدمت نموذجًا مختلفًا في إدارة التفاوض؛ نموذجًا يقوم على الصبر، وتراكم أوراق القوة، وعدم التسرع في الوصول إلى تسويات نهائية. وقد يرى مؤيدو هذا النهج أنه مكّنها من الحفاظ على موقعها الإقليمي، بينما يرى منتقدوه أن كلفته الاقتصادية والسياسية كانت باهظة. وفي النهاية، لا يكتب التاريخ أن هذا الطرف صافح خصمه، أو أن ذاك وقّع اتفاقًا.
التاريخ يكتب شيئًا واحدًا فقط: من الذي غيّر ميزان القوى؟ ففي السياسة، كما في الشطرنج، قد تخسر قطعة كبيرة لتربح المباراة. وقد تستعيد رقعة كاملة، بينما يكون خصمك قد حقق الهدف الذي جاء من أجله منذ الحركة الأولى. وهذا هو الفارق بين من ينظر إلى المفاوضات باعتبارها نهاية أزمة، ومن ينظر إليها باعتبارها وسيلة لتحقيق استراتيجية تمتد آثارها لأجيال.
*كاتب اردني
اسرار إدارة ايران للمفاوضات!
