اليمن الحر الأخباري

هل تفعلها حكومة العراق وتفتح الصندوق الأسود لغسيل الأموال؟

راجي سلطان الزهيري*
شهد الشارع العراقي خلال الأيام القليلة الماضية حراكاً مغايراً كسر جمود المشهد السياسي، تمثل في صولة قانونية نفذتها السلطات لضرب رؤوس كان يُعتقد في الماضي أنها “فوق الشبهات”. اعتقال نواب ومسؤولين بتهم الفساد والابتزاز والتربح غير المشروع أحدث هزة ارتدادية إيجابية في الأوساط الشعبية في بغداد فالشارع الذي أنهكه تراكم الأزمات بدأ يتنفس الصعداء وتحوّل من حالة الإحباط المزمن إلى موقع السند والداعم لخطوات الحكومة، بل ذهبت المطالبات الشعبية إلى مديات أبعد، مطالبة بمحاكمات علنية وبأقصى العقوبات لتكون رادعاً حقيقياً.
لكن، مع هذا الارتياح، يبرز التساؤل الأكبر الذي يشغل بال المواطن العراقي اليوم: هل نحن أمام بداية تفكيك حقيقي لمنظومة الفساد، أم أنها مجرد جولة عابرة؟ وتتفرع من هذا التساؤل ثلاثة ملفات حارقة تمثل الاختبار الحقيقي لجدية الاندفاعة
الحكومية وقدرتها على تفعيل مبدأ “من أين لك هذا؟”.
أولاً: إمبراطوريات المقاولات والمشاريع الوهمية (الناصرية نموذجاً)
الفساد في العراق لم يكن يوماً مجرد “رشوة” عابرة، بل منظومة متكاملة وأخطر أذرعها هو التحالف غير المقدس بين بعض المسؤولين ومقاولين ورجال أعمال شكّلوا (تكتلات احتكارية) لتمرير المشاريع.
في محافظة ذي قار (الناصرية)، يرى أبناء المحافظة أن فتح ملفات الإعمار والمشاريع التي نُفذت في السنوات الأخيرة يمثل منجماً لاسترداد أموال الدولة المنهوبة. السيناريو المتكرر هناك وفي محافظات أخرى يكشف عن مشاريع أُحيلت بمبالغ فلكية:
مشاريع وهمية: على الورق فقط، صرفت ميزانياتها بالكامل دون وجود حجر أساس واحد على أرض الواقع.
مشاريع مندثرة: مشاريع بُنيت بمواصفات رديئة جداً، ولم تمضِ أشهر قليلة حتى تآكلت البنى التحتية وانهارت الطرق والجسور، لتتحول إلى هدر صريح للمال العام.
إذا تقدمت الحكومة بإصدار مذكرات قبض بحق هؤلاء المقاولين والتحقيق معهم بنزاهة وبمعزل عن الضغوط السياسية، فإن المليارات المنهوبة كفيلة بالعودة إلى خزينة الدولة، وسينكشف “المخفي” والمستور في الدوائر الخدمية والمحلية التي تواطأت في استلام مشاريع فاشلة.
ثانياً: واجهات غسيل الأموال والأثراء الفاحش الفجائي
الملف الآخر الذي يستفز المشاعر العامة في العراق هو ظاهرة الثراء الفاحش المفاجئ لبعض الشخصيات التي تصدرت المشهد العام (فنانات، مشاهير، و”بلوغرات” ومؤثرين).
الشعب العراقي يتساءل بوضوح: كيف لشخصيات ظهرت فجأة في الفضاء الرقمي أو الإعلامي أن تمتلك عقارات بملايين الدولارات في أرقى أحياء بغداد، وسيارات فارهة، وأرصدة طائلة؟
واجهات لغسيل الأموال: المؤشرات والتحليلات الجنائية والمالية تشير في كثير من الأحيان إلى أن هؤلاء ليسوا سوى “واجهات” أو أدوات لغسيل أموال سياسيين وفاسدين كبار، يُراد تحويل أموالهم المنهوبة من صيغتها النقدية المشبوهة إلى أصول وعقارات وأنشطة تبدو قانونية.
ضرب خطوط الإمداد المالي: إن ملاحقة هذه الظواهر وإصدار مذكرات قبض والتحقيق في مصادر هذه الثروات الطائلة لن يقضي على ظاهرة تشويه الذوق العام والابتزاز الإلكتروني فحسب، بل سيقطع خطوط الإمداد والتخفي المالي لحيتان الفساد الأصليين الذين يختبئون خلف هذه الأسماء.
ثالثاً: الاختبار الحاسم.. هل يتفعل قانون “من أين لك هذا”؟
تظل الإجابة على كل هذه التساؤلات مرهونة بمدى قدرة الدولة وجرأتها على تفعيل حقيقي وصارم لقانون “من أين لك هذا؟” (الكسب غير المشروع). هذا القانون يمثل السلاح القانوني الأقوى، لأنه يقلب عبء الإثبات؛ فبدلاً من أن تبحث الدولة عن دليل لإدانة الفاسد، يصبح لزاماً على كل مسؤول، مقاول، أو مواطن تظهر عليه علامات ثراء لا تتناسب مع دخله المشروع، أن يثبت للعدالة والمحاكم مصادر أمواله.
التحدي الأساسي: تفكيك الفساد في العراق لا يتطلب نقصاً في القوانين، بل يتطلب الإرادة السياسية الصلبة والحماية القانونية والأمنية للقضاة والمحققين في هيئة النزاهة للتنقل بحرية بين ملفات الكبار دون خطوط حمراء.
الخلاصة
إن دعم الشارع العراقي الحالي للحكومة يمثل “شيكاً على بياض” مشروطاً بالاستمرارية وتوسيع رقعة المحاسبة لتشمل المحافظات كافة. فإذا نجحت السلطات في تحويل هذه “الصولة” إلى استراتيجية مستدامة تلاحق المقاول الفاسد في الناصرية, والسياسي المبتز في بغداد، والواجهات الإعلامية والمالية المشبوهة، فإن العراق سيكون قد وضع قدمه الفعلية على طريق استعادة الدولة وهيبتها. أما التراجع أو الاكتفاء بضربات محدودة، فقد يعيد الشارع إلى مربع الإحباط، وهو ما لا تتحمله المرحلة الراهنة.
*كاتب عراقي

Exit mobile version