اليمن الحر الأخباري

هل تُعاد هندسة النفوذ الأمريكي بأموال الخليج؟

د. رلى الفرا *
حين أُعلن عن دخول جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في مشاريع استثمارية ضخمة في ألبانيا وصربيا، بمشاركة رؤوس أموال خليجية، تعامل كثيرون مع الخبر بوصفه مجرد مشروع عقاري جديد، أو استثمار سياحي يضاف إلى مئات الاستثمارات الخليجية المنتشرة حول العالم.
غير أن هذا التفسير، على بساطته، يثير سؤالًا أكثر أهمية من المشروع نفسه:
لماذا البلقان؟
إذا كان الهدف هو الربح المالي وحده، فإن الأسواق العالمية تزخر بعشرات الوجهات الأكثر استقرارًا وربحية. أما إذا كانت الاستثمارات تتحرك أيضًا داخل بيئة جيوسياسية تعاد صياغتها، فإن اختيار البلقان لا يبدو تفصيلًا عابرًا، بل يصبح مؤشرًا يستحق التوقف عنده.
إن السؤال الحقيقي ليس: لماذا استثمر كوشنر في ألبانيا وصربيا؟
بل: لماذا أصبحت منطقة البلقان، في هذه اللحظة التاريخية بالذات، محط اهتمام رؤوس الأموال الخليجية المتقاطعة مع دوائر النفوذ الأمريكية؟
البلقان… عقدة الجغرافيا الأوروبية
كثيرًا ما يُنظر إلى البلقان بوصفه هامشًا مضطربًا من هوامش أوروبا، بينما تكشف الجغرافيا أنه يمثل إحدى أهم العقد الاستراتيجية في القارة.
فالبلقان يشكل البوابة الطبيعية بين شرق البحر المتوسط وأوروبا الوسطى، كما يربط بين البحر الأدرياتيكي والبحر الأسود، وبين جنوب أوروبا ووسطها، ويقع على تقاطع عدد متزايد من ممرات التجارة والطاقة التي يعاد رسمها في القرن الحادي والعشرين.
ومن يقرأ خرائط خطوط السكك الحديدية، والموانئ، وخطوط الطاقة، ومشروعات الربط اللوجستي، يلاحظ أن البلقان لم يعد مجرد منطقة عبور، بل أصبح نقطة اتصال بين شرق المتوسط، ووسط أوروبا، والبحر الأسود، وامتدادات أوراسيا.
ولذلك فإن الاستثمار في هذه المنطقة لا يمكن اختزاله في القيمة العقارية للأرض أو العائد السياحي للمشروع، بل ينبغي أن يُقرأ أيضًا في ضوء القيمة الاستراتيجية للموقع ذاته.
البلقان في قلب الشبكة:
ولمساعدة القارئ على التصور الذهني المطلوب، فإنك إذا وضعت إصبعك على خريطة البلقان، ثم تتبعت خطوط الحركة، فستجد أنها تمتد جنوبًا إلى شرق المتوسط والخليج، وشمالًا إلى قلب أوروبا، وشرقًا إلى البحر الأسود وأوراسيا، وغربًا إلى الأدرياتيكي، بحيث تتحول المنطقة إلى عقدة تلتقي عندها شبكات الطاقة، والتجارة، والثقافة، والتحالفات، والاستثمارات.
البلقان بين روسيا وأوروبا
لكن الجغرافيا ليست وحدها ما يمنح البلقان هذه الأهمية.
فهذه المنطقة تحمل كذلك بعدًا حضاريًا وثقافيًا بالغ الحساسية.
فعدد من شعوبها يرتبط بروابط لغوية أو دينية أو تاريخية مع روسيا، ولا سيما في الفضاء السلافي والأرثوذكسي، الأمر الذي جعل البلقان، عبر القرون، إحدى ساحات التنافس التقليدية بين موسكو والقوى الغربية.
ومنذ نهاية الحرب الباردة، عمل حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي على دمج أجزاء واسعة من البلقان داخل المنظومة الغربية، إلا أن المنطقة بقيت تحتفظ بدرجات متفاوتة من الروابط الثقافية والسياسية مع روسيا، وهو ما يجعلها حتى اليوم إحدى مناطق التماس بين المجالين الروسي والغربي.
ومن هذا المنظور، فإن أي إعادة تشكيل للبنية الاقتصادية أو الاستثمارية في البلقان لا يمكن فصلها بالكامل عن أثرها المحتمل في إعادة تشكيل خرائط النفوذ داخل أوروبا.
ولا يعني ذلك أن كل استثمار يحمل هدفًا جيوسياسيًا مباشرًا، وإنما يعني أن تراكم الاستثمارات في منطقة ذات قيمة استراتيجية قد ينتج آثارًا سياسية تتجاوز كثيرًا الأهداف الاقتصادية الأصلية.
من الموانئ إلى الممرات… إعادة رسم المجال الأوروبي
إذا نظرنا إلى التطورات الجارية في شرق البحر المتوسط، ثم انتقلنا شمالًا نحو اليونان والبلقان، سنجد أننا أمام سلسلة مترابطة من التحولات.
فالصراع على موانئ المتوسط، والتنافس على طرق نقل الغاز، ومشروعات الربط الاقتصادي الجديدة، والحديث عن الممرات التجارية البديلة، كلها تشير إلى أن العالم يشهد مرحلة جديدة من إعادة تنظيم شبكات الحركة العالمية.
وفي هذا السياق، لا تبدو الموانئ مجرد منشآت بحرية، ولا خطوط السكك الحديدية مجرد مشاريع نقل، ولا مشاريع العقارات الكبرى مجرد استثمارات خاصة، بل تتحول جميعها إلى عقد داخل شبكة أكبر، تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية.
ومن هنا، يصبح البلقان حلقة تربط بين غاز شرق المتوسط، وموانئ اليونان والأدرياتيكي، والأسواق الأوروبية، والممرات الجديدة التي تسعى القوى الدولية إلى ترسيخها.
خمسون عامًا من التحول: من النفط إلى الجغرافيا
لفهم ما يجري اليوم في البلقان، قد يكون من الضروري العودة نصف قرن إلى الوراء.
فبعد حرب أكتوبر 1973، لم يكن التحول الأكبر في ارتفاع أسعار النفط، وإنما في إدراك جميع الفاعلين للقيمة الاستراتيجية للطاقة. فقد أدركت الولايات المتحدة أن أمنها الاقتصادي لم يعد ينفصل عن أمن الخليج، وأدركت دول الخليج أن الثروة النفطية يمكن أن تتحول إلى مصدر نفوذ عالمي إذا أُحسن توظيفها، بينما بدأت أوروبا والاتحاد السوفيتي يعيدان تقييم موقع الشرق الأوسط في معادلة الصراع الدولي.
ومن هذه اللحظة التاريخية ولد نظام البترو-دولار، الذي لم يكن مجرد ترتيب مالي لتسعير النفط بالدولار، بل كان جزءًا من إعادة بناء شبكة المصالح العالمية بين الولايات المتحدة ودول الخليج، بما وفر لواشنطن ركيزة مالية دعمت موقع الدولار في الاقتصاد العالمي لعقود طويلة، وفي المقابل وفر لدول الخليج مظلة أمنية واستراتيجية ضمن بيئة الحرب الباردة.
لكن التحولات التي أعقبت ذلك، من الثورة الإيرانية، والغزو السوفيتي لأفغانستان، ثم انتهاء الحرب الباردة، والعولمة، وصعود الصين، والأزمات المالية العالمية، وأخيرًا الحرب في أوكرانيا، أعادت تعريف مفهوم القوة ذاته.
فلم يعد الصراع يدور حول السيطرة على مصادر الطاقة وحدها، بل أصبح يدور أيضًا حول الموانئ، وسلاسل الإمداد، والممرات التجارية، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، والعقد اللوجستية التي تربط القارات بعضها ببعض.
وفي هذا السياق، يبدو أن رأس المال النفطي لم يعد يؤدي الوظيفة التي أداها في سبعينيات القرن الماضي فقط، بل بدأ يتحول تدريجيًا إلى أداة لإعادة تشكيل المجال الجغرافي الذي تتحرك داخله التجارة والطاقة ورؤوس الأموال. ومن هنا تبرز فرضية “البترو-استثمار”، ليس بوصفها بديلًا عن البترو-دولار، وإنما بوصفها مرحلة جديدة في تطور أدوات النفوذ داخل النظام الدولي.
أين يقف المال الخليجي؟
هنا تبرز الملاحظة الأكثر إثارة للاهتمام.
لقد كان النفط، طوال العقود الماضية، مصدر القوة المالية لدول الخليج.
وفي مرحلة البترو-دولار، ارتبطت هذه القوة أساسًا بإعادة تدوير العوائد النفطية داخل النظام المالي الأمريكي، بما عزز مكانة الدولار بوصفه العملة المهيمنة عالميًا.
أما اليوم، فيبدو أن جزءًا متزايدًا من هذه الفوائض يتجه نحو الاستثمار في أصول ذات قيمة استراتيجية: موانئ، وبنى تحتية، وشركات تكنولوجيا، ومراكز لوجستية، وعقارات في مواقع جيوسياسية حساسة.
ولا يعني ذلك وجود خطة مركزية واحدة بالضرورة، ولا يقتضي افتراض تطابق كامل بين أهداف جميع الأطراف، غير أن تفاعل هذه الاستثمارات مع الرؤية الأمريكية لإعادة تنظيم شبكات النفوذ العالمي قد ينتج في النهاية واقعًا جديدًا، تصبح فيه رؤوس الأموال الخليجية جزءًا من عملية إعادة تشكيل المجال الجيوسياسي.
وهنا يبرز مفهوم يمكن أن يساعد في قراءة هذه التحولات، وهو مفهوم “البترو-استثمار”.
من البترو-دولار إلى البترو-استثمار
إذا كان البترو-دولار قد مثّل الآلية التي ربطت النفط بالدولار، وربطت الدولار بالنظام المالي العالمي، فإن المرحلة الراهنة قد تشهد تحولًا تدريجيًا نحو نمط مختلف، لا يُستخدم فيه النفط فقط لدعم العملة الأمريكية، بل تُستخدم فوائضه المالية لإعادة تشكيل خرائط الاستثمار، والموانئ، والممرات، والبنية التحتية، في مناطق تمثل عقدًا استراتيجية للنظام الدولي.
وفي هذا الإطار، لا يعود رأس المال مجرد أداة لتحقيق الأرباح، بل يصبح عنصرًا فاعلًا في إنتاج النفوذ.
فالاستثمار في منطقة مثل البلقان لا يضيف مشروعًا عقاريًا جديدًا فحسب، بل قد يسهم، مع مرور الزمن، في إعادة توجيه شبكات التجارة والطاقة والتمويل والاعتماد المتبادل، بما ينعكس على موازين القوة داخل أوروبا نفسها.
ما وراء كوشنر
ليست القضية، في نهاية المطاف، قضية جاريد كوشنر وحده.
فالأشخاص يتغيرون، والإدارات تتبدل، أما الاتجاهات الاستراتيجية الكبرى فغالبًا ما تستمر بأدوات مختلفة.
والسؤال الذي ينبغي أن يشغل الباحثين ليس ما إذا كان هذا المشروع أو ذاك سيحقق أرباحًا مالية، وإنما ما إذا كانت هذه المشروعات، مجتمعة، تعكس تحولًا أوسع في أدوات بناء النفوذ الدولي.
لقد قامت الهيمنة الأمريكية خلال العقود الماضية على مجموعة من الركائز، في مقدمتها القوة العسكرية، وهيمنة الدولار، والمؤسسات المالية الدولية، والتحالفات الأمنية.
أما اليوم، فقد تكون هذه الركائز تشهد إضافة أداة جديدة لا تقل أهمية، هي الاستثمار الاستراتيجي، الذي يعيد تشكيل الجغرافيا الاقتصادية قبل أن يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية.
الاتحاد الأوروبي بين توسيع العضوية وحماية المجال الأوروبي: ثلاثة مشاريع تتنافس على البلقان
إذا كان الموقع الجغرافي يمنح البلقان قيمته الاستراتيجية، فإن القيمة الجيوسياسية الحقيقية لهذه المنطقة لا تنبع من موقعها وحده، بل من كونها تمثل نقطة التقاء ثلاث رؤى كبرى لمستقبل أوروبا، لكل منها تصور مختلف لشكل المجال الأوروبي، وللعلاقات بين أوروبا وروسيا، ولموقع البلقان داخل هذا المجال.
ولذلك، فإن قراءة الاستثمارات المتزايدة في المنطقة بمعزل عن هذا التنافس الاستراتيجي قد تؤدي إلى إغفال جزء مهم من الصورة.
أولاً: المشروع الأوروبي… استكمال بناء المجال الأوروبي
منذ نهاية الحرب الباردة، لم ينظر الاتحاد الأوروبي إلى البلقان باعتباره مجرد جوار جغرافي، بل بوصفه الامتداد الطبيعي للمجال الأوروبي.
ومن هنا جاء مشروع التوسع الأوروبي، الذي يقوم على دمج دول البلقان تدريجيًا داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وربطها تشريعيًا، واقتصاديًا، وسياسيًا، بالمنظومة الأوروبية.
ولهذا الغرض، وضع الاتحاد الأوروبي منظومة معقدة من معايير الانضمام، تشمل سيادة القانون، واستقلال القضاء، ومكافحة الفساد، وحماية البيئة، وحقوق الإنسان، ومواءمة التشريعات الوطنية مع القانون الأوروبي، والإصلاحات الاقتصادية والإدارية.
ومن الناحية الرسمية، تمثل هذه المعايير الشروط الضرورية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهي شروط تستند إلى فلسفة بناء الاتحاد ذاته.
غير أن لهذه المعايير بعدًا استراتيجيًا آخر لا يقل أهمية.
فهي تمنح بروكسل قدرة كبيرة على إدارة سرعة التوسع الأوروبي، وتحديد توقيته، والإبقاء على نفوذها السياسي في الدول المرشحة طوال سنوات التفاوض، بحيث لا يتحول الانضمام إلى مجرد إجراء قانوني، بل إلى عملية طويلة لإعادة تشكيل البنية المؤسسية والاقتصادية للدول الراغبة في العضوية.
وبذلك يصبح مشروع التوسع الأوروبي، في أحد أبعاده، مشروعًا لإعادة تشكيل المجال الأوروبي نفسه، وليس مجرد توسيع لحدود الاتحاد.
ومن هنا نستطيع ان نفهم لماذا أثار الاتحاد الاوروبي تساؤلات جادة حول مشروع كوشنر في البانيا محذرا من ضرورة عدم انتهاك سيادة القانون واحترام المعايير البيئية في حين أن هواجسه أعمق من ذلك بكثير.
ثانياً: الرؤية الروسية… الحفاظ على المجال التاريخي
في المقابل، تنظر روسيا إلى البلقان من زاوية مختلفة.
فالمنطقة، بالنسبة لموسكو، ليست مجرد فضاء جغرافي قريب، بل تمثل امتدادًا تاريخيًا وثقافيًا ودينيًا ارتبط بها عبر قرون طويلة، ولا سيما في المجتمعات السلافية والأرثوذكسية.
ولا يعني ذلك أن جميع شعوب البلقان تتبنى رؤية واحدة تجاه روسيا، كما لا يعني وجود اصطفاف سياسي موحد، إلا أن هذه الروابط التاريخية والثقافية ظلت تشكل أحد عناصر الحضور الروسي في المنطقة، سواء عبر العلاقات السياسية، أو الروابط الدينية، أو الذاكرة التاريخية المشتركة.
ومن هذا المنظور، فإن توسع المؤسسات الغربية داخل البلقان لا يُنظر إليه في موسكو باعتباره توسعًا اقتصاديًا فحسب، بل بوصفه تقلصًا تدريجيًا للمجال الذي كانت روسيا تعده جزءًا من فضائها التاريخي.
ولهذا، ظل البلقان أحد ميادين التنافس المستمرة بين روسيا والغرب، حتى بعد انتهاء الحرب الباردة.
ثالثاً: الرؤية الأمريكية… إعادة تنظيم المجال عبر الشبكات
أما الولايات المتحدة، فقد تعاملت مع البلقان، منذ تسعينيات القرن الماضي، باعتباره جزءًا من عملية أوسع لإعادة تنظيم المجال الأوروبي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
وقد تمثلت أدوات هذا الحضور في البداية في توسيع حلف شمال الأطلسي، ودعم الاستقرار الأمني، وتعزيز الشراكات السياسية.
غير أن التحولات التي يشهدها النظام الدولي اليوم تشير إلى أن أدوات النفوذ لم تعد تقتصر على الأمن والدبلوماسية.
فمع تصاعد أهمية الممرات التجارية، والطاقة، والموانئ، والاستثمارات العابرة للحدود، بدأت تتزايد أهمية الأدوات الاقتصادية والاستثمارية في إعادة تشكيل المجال الأوروبي.
ومن هنا، يمكن النظر إلى الاستثمارات الكبرى في البلقان، بما فيها المشاريع التي يقودها مستثمرون أمريكيون بالشراكة مع رؤوس أموال خليجية، باعتبارها جزءًا من بيئة أوسع، تتحرك فيها اعتبارات اقتصادية حقيقية، لكنها تتقاطع في الوقت نفسه مع التحولات الجيوسياسية التي يشهدها الإقليم.
البلقان… ساحة لتفاعل المشاريع لا لتصادمها فقط
ومن الخطأ اختزال المشهد في صراع ثنائي بين الشرق والغرب، أو في تنافس مباشر بين واشنطن وموسكو.
فالواقع أكثر تعقيدًا.
فنحن أمام ثلاثة مشاريع كبرى، لكل منها أدواته، ومصالحه، وإدراكه الخاص لطبيعة المجال الأوروبي.
فالاتحاد الأوروبي يعمل على دمج البلقان مؤسسيًا وتشريعيًا.
وروسيا تسعى إلى الحفاظ على حضورها التاريخي والثقافي والسياسي في المنطقة.
أما الولايات المتحدة، فتتجه بصورة متزايدة إلى توظيف شبكات الاستثمار، والطاقة، والبنية التحتية، والشراكات الاقتصادية، بوصفها أدوات إضافية لإعادة تنظيم المجال الأوروبي.
وعندما تدخل رؤوس الأموال الخليجية إلى هذه البيئة، فإنها لا تتحرك في فراغ، بل تصبح جزءًا من شبكة معقدة من التفاعلات، قد تتجاوز نتائجها المقاصد الأصلية لكل طرف، لتسهم في إعادة تشكيل المجال الأوروبي بأسره.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الباحث لا يقتصر على معرفة من استثمر في البلقان، وإنما يمتد إلى سؤال أوسع: أي تصور لمستقبل أوروبا يجري بناؤه من خلال تفاعل هذه المشاريع الثلاثة؟
هل نحن أمام إعادة تشكيل للنظام الدولي؟
يصعب فهم الاستثمارات المتزايدة في الموانئ، والممرات، والطاقة، والعقارات الاستراتيجية، إذا نُظر إليها باعتبارها مشروعات اقتصادية منفصلة عن بعضها. غير أن الصورة تختلف عندما توضع هذه المشاريع داخل سياق أشمل يمتد من الخليج إلى شرق البحر المتوسط، ومنه إلى البلقان، ثم إلى قلب أوروبا.
فخلال العقود الماضية، اعتمدت الهيمنة الأمريكية بدرجة كبيرة على عناصر معروفة: القوة العسكرية، وهيمنة الدولار، والمؤسسات المالية الدولية، وشبكة التحالفات الأمنية. أما اليوم، فيبدو أن أدوات جديدة تضاف إلى هذه المنظومة، قوامها الاستثمار الاستراتيجي، وإعادة توجيه رؤوس الأموال نحو عقد جغرافية تتحكم في حركة التجارة والطاقة والتكنولوجيا.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود خطة مركزية واحدة تدير جميع هذه التحركات، كما لا يعني أن جميع الفاعلين يسعون إلى الهدف نفسه. فلكل دولة، ولكل صندوق سيادي، ولكل شركة، ولكل مستثمر، دوافعه وحساباته الخاصة. غير أن تفاعل هذه القرارات داخل البيئة الدولية قد ينتج بنية جديدة من النفوذ تتجاوز مقاصد كل فاعل على حدة، وتعيد رسم العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الأقاليم المختلفة.
ومن هذا المنظور، لا تبدو استثمارات البلقان، أو التنافس على موانئ شرق المتوسط، أو إعادة تنظيم شبكات الطاقة، أحداثًا منفصلة، بل حلقات في عملية تاريخية أوسع لإعادة تشكيل النظام الدولي.
وقد لا يكون السؤال الأهم هو: من يربح هذا المشروع أو ذاك؟
بل: أي نظام دولي جديد يجري بناؤه من خلال تراكم هذه المشاريع؟
فإذا كان القرن العشرون قد شهد بناء نظام عالمي ارتكز على النفط والدولار والتحالفات العسكرية، فإن القرن الحادي والعشرين قد يشهد تبلور نظام أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه القوة المالية مع الاستثمار الاستراتيجي، والطاقة مع الممرات، والتكنولوجيا مع البنية التحتية، ورؤوس الأموال مع إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية.
وهنا تكمن أهمية متابعة ما يجري في البلقان، وفي شرق المتوسط، وفي الخليج، لأنها قد لا تكون مجرد مسارح لمشروعات استثمارية، بل مختبرات مبكرة لولادة بنية جديدة للنفوذ العالمي، ما تزال ملامحها النهائية قيد التشكل.
خاتمة
ربما تكون مشاريع كوشنر في البلقان مجرد استثمارات عقارية ناجحة، وربما تكون جزءًا من تحولات أوسع لم تتضح ملامحها كاملة بعد.
لكن المؤكد أن العالم يدخل مرحلة تتزايد فيها أهمية الممرات، والموانئ، والطاقة، وسلاسل الإمداد، ورؤوس الأموال العابرة للحدود، بوصفها أدوات لإعادة إنتاج النفوذ الدولي.
ومن هنا، فإن السؤال لم يعد يقتصر على: من يملك النفط؟
بل أصبح: من يملك القدرة على توجيه فوائض النفط لإعادة تشكيل خرائط النفوذ العالمي؟
ولعل هذا هو التحول الأهم الذي يستحق أن يوضع تحت المجهر.
فإذا كان القرن العشرون قد شهد ولادة نظام البترو-دولار، فإن القرن الحادي والعشرين قد يكون بصدد ولادة نظام جديد، يمكن وصفه – على سبيل الفرضية – بـ “البترو-استثمار”، حيث لا تُقاس القوة بحجم الثروة النفطية وحدها، بل بقدرتها على إعادة تشكيل المجال الجغرافي والسياسي الذي تتحرك داخله التجارة والطاقة ورؤوس الأموال.
وربما لا تكون استثمارات البلقان سوى إحدى أولى الإشارات إلى هذا التحول.
*كاتبة اردنية

Exit mobile version