اليمن الحر الأخباري

وهم الحرب بين تركيا واسرائيل!

زهير حليم أندراوس*
(“المبدأ الذي يُوجِّه السياسة الخارجيّة الأمريكيّة هو المصالح الاقتصاديّة والعسكريّة ولا توجد قيم، بل مصالح”. بروفيسور جيفري ساكس).
أولاً، كلّما ارتفعت نبرة التهديد بين أنقرة وتل أبيب، سارع البعض إلى التنبؤ بحربٍ وشيكةٍ بين الطرفين، وكأنّ الشرق الأوسط يقف على أعتاب مواجهةٍ تاريخيّةٍ ستغيّر موازين القوى في المنطقة والمحكومة بالعلاقات الدوليّة. غير أنّ قراءةً متأنيةً وهادئةً، وبعيدةً عن العواطف والعنتريات، للمشهد تكشف أنّ هذا السيناريو لا يعدو كونه وهمًا سياسيًا يتغذّى على الخطابات الشعبويّة، بينما تُسقطه الوقائع الصلبة وحسابات المصالح. فالدول لا تُدار بالعواطف، بل بالمصالح. وعندما تتعارض الشعارات مع المصالح، تكون الغلبة دائمًا للمصالح.
ثانيًا، تركيا ليست دولةً خارج المنظومة الغربيّة، بلْ هي أحد أعمدة حلف شمال الأطلسيّ (الناتو)، الحلف الذي تقوده الولايات المتحدة، الحليف الإستراتيجيّ الأول لإسرائيل. وستستضيف أنقرة القمّة المقبلة للحلف بحضور الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب، الذي لم يُخفِ يومًا علاقته الشخصيّة الجيّدة بالرئيس رجب طيب أردوغان، وسبق أنْ وصفه علنًا بأنه “صديقي”. كما تعمل واشنطن على إعادة تركيا إلى برامج تسليحيّةٍ متقدمةٍ، وفي مقدمتها مقاتلات “إف-35”. فهل يُعقل أنْ تسمح الولايات المتحدة باندلاع حربٍ بين اثنين من أهّم شركائها في الشرق الأوسط؟ الجواب واضح، ولا يحتاج إلى كثيرٍ من التحليل.
ثالثًا، علاوة على ذلك، فإنّ الذاكرة السياسية لا ينبغي أنْ تكون انتقائية. فتركيا لم تكُنْ آخر دولةٍ إسلاميّةٍ تعترف بإسرائيل، بل كانت أول دولةٍ ذات أغلبيةٍ مسلمةٍ تُقيم علاقاتٍ رسميّةٍ معها عام 1949، ومنذ ذلك التاريخ نسج الطرفان شبكةً واسعةً من التعاون الأمنيّ والعسكريّ والاقتصاديّ، لم تُلغها حتى أشد الأزمات السياسية حدّةً.
رابعًا، إذا كانت الخطب الرنانة تُوحي بقطيعةٍ كاملةٍ، فإنّ لغة الأرقام تقول شيئًا مختلفًا. فقبل العدوان الأمريكيّ-الإسرائيليّ على غزّة، بلغ حجم التبادل التجاريّ بين البلدين قرابة سبعة مليارات دولار سنويًا. وبعد إعلان أنقرة وقف التجارة مع إسرائيل في أيار (مايو) 2024، لم تختفِ المبادلات التجاريّة تمامًا، بل تراجعت واستمرت عبر قنواتٍ غيرُ مباشرةٍ ودولٍ وسيطةٍ. وتشير البيانات إلى أنّ إسرائيل استوردت خلال عام 2025 بضائع بقيمة تقارب 924 مليون دولار مرتبطة بالسوق التركية. قد يكون الرقم أقل بكثير من السابق، لكنّه يكفي لإثبات أنّ المصالح الاقتصادية لم تمت، وإنما غيّرت مسارها.
خامسًا، ويزداد التناقض وضوحًا عند الحديث عن النفط الأذربيجانيّ الذي استمرّ، وفق تقارير متعددةٍ، في الوصول إلى إسرائيل عبر الأراضي أو الموانئ التركيّة. وبينما كانت الجماهير تُخاطَب بخطابات المواجهة، كانت عجلة المصالح تدور بعيدًا عن عدسات الكاميرات. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل كانت المعركة مع إسرائيل فعلًا معركةً وجودية، أمْ أنّ سقفها الحقيقيّ لا يتجاوز حدود الخطاب السياسي؟
سادسًا، في خضّم هذا المشهد، يلفت الانتباه الإصرار على تصوير إيران باعتبارها الخطر الوحيد على الأمّة الإسلاميّة، مع ترديد اتهاماتٍ من قبيل “تشييع الأمة”. ومهما كان الموقف من السياسات الإيرانيّة، فإن اختزال الصراع الإقليميّ في هذا الشعار لا يُغني عن قراءة الوقائع. فمنذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، أغلقت طهران السفارة الإسرائيليّة، وحولّت مبناها إلى مقرٍ لمنظمة التحرير الفلسطينيّة، وأعلنت دعمها للقضية الفلسطينيّة سياسيًا وماليًا. وقد يختلف كثيرون في تقييم دوافع هذا الدعم أوْ نتائجه، لكن تجاهل هذه الوقائع لا يخدم البحث عن الحقيقة.
سابعًا، أمّا التاريخ، فلا يحّق لأحدٍ أنْ يطالبه بالصمت. فحين يتحدث البعض عن تركيا بوصفها حاميةً للعرب والمسلمين، يتجاهلون أنّ الحكم العثماني ما زال يمثل، لدى شريحةٍ واسعةٍ من العرب، مرحلةً ارتبطت بالقمع والتجنيد الإجباريّ و(سفر برلك) والمجاعات. وليس المقصود هنا محاكمة الماضي، وإنّما رفض الانتقائية في استدعائه.
ثامنًا، الحاضر لا يقل إثارةً للأسئلة. فتركيّا لا تزال تحتفظ بوجودٍ عسكريٍّ في أجزاءٍ من الأراضي السوريّة، وتبرره باعتباراتٍ أمنيّةٍ، بينما تنظر إليه دمشق وكثير من الدول العربيّة بوصفه انتهاكًا للسيادة. ومن هنا يبرز التناقض في خطابٍ يرفع راية الدفاع عن حقوق الشعوب، في الوقت الذي يواجه فيه اتهامات تتعلّق بالتدخل في شؤون دول الجوار.
تاسعًا، إنّ أخطر ما في الخطاب السياسيّ المعاصر أنّه يدفع الجماهير إلى تصديق ما ترغب في سماعه، لا ما تؤكّده الوقائع، أيْ أنّ هندسة الوعيْ لدى الجماهير باتت صناعةً رائجةً جدًا في زمن الطفرة التكنولوجيّة ووسائل التواصل الاجتماعيّ. ولهذا، فإنّ الحديث المتكرر عن حربٍ تركيّةٍ إسرائيليّةٍ وشيكةٍ يبدو أقرب إلى صناعة الأوهام منه إلى استشراف المستقبل. فالمصالح الأمريكيّة، وعضوية تركيّا في الناتو، وتشابك الاقتصاد، والاعتبارات الأمنيّة، كلّها تشكل شبكةً من القيود تجعل خيار الحرب المباشرة بالغ الكلفة، بل شديد الاستبعاد.
عاشرًا وأخيرًا، قد تتصاعد التصريحات، وقد تتبادل الحكومتان الاتهامات، وقد تبلغ الحرب الإعلاميّة ذروتها، لكنّ السياسة ليست فنَّ إطلاق الشعارات، وإنّما فنُّ إدارة المصالح. وحتى إشعارٍ آخر، تبدو المصالح بين أنقرة وتل أبيب، مهما تراجعت، أقوى من أنْ تسمح بانفجار مواجهةٍ عسكريّةٍ مباشرةٍ. ولذلك، فإنّ مَنْ يقرأ المشهد بعين السياسة لا بعين العاطفة، يدرك أنّ ما يجري ليس تمهيدًا لحرب، بل إدارةٌ لخلافٍ مضبوط السقف، تُرفَع فيه الأصوات أمام الجماهير، فيما تبقى خطوط المصالح مفتوحةً في الكواليس.
*كاتب فلسطيني

Exit mobile version