نجاح محمد علي*
شكّل هبوط طائرة إيرانية في مطار صنعاء الدولي، يوم الجمعة الماضي، حدثاً لافتاً أعاد ملف الحصار الجوي على اليمن إلى واجهة المشهد الإقليمي، بعد أكثر من أحد عشر عاماً من القيود التي فرضها التحالف الذي تقوده السعودية. ولم يقتصر الاهتمام على نجاح الرحلة في الوصول إلى العاصمة اليمنية، بل امتد إلى ما تلاها من تصريحات ومواقف متبادلة عكست حجم التحول الذي تشهده معادلات القوة في المنطقة، وأظهرت أن ملف الأجواء اليمنية لم يعد يُدار بالآليات ذاتها التي سادت طوال سنوات الحرب.
وبحسب بيان صادر عن القوات المسلحة اليمنية، فإن السلطات السعودية حاولت منع الطائرة الإيرانية من الهبوط، ثم سعت إلى عرقلة إقلاعها، إلا أن تلك المحاولات لم تحقق أهدافها، وهو ما دفع صنعاء إلى إصدار بيان شديد اللهجة أكدت فيه أنها تمارس سيادتها الكاملة على أجوائها، محذرة من أن أي محاولة مستقبلية للمساس بحركة الملاحة الجوية ستقابل برد قاسٍ ومؤلم، ومحمّلة الرياض المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد قد ينجم عن استمرار الحصار.
ويأتي هذا التطور في توقيت بالغ الحساسية إقليمياً، إذ أعقب سلسلة من التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة، من بينها ما يصفه محور المقاومة بأنه انتصار إيراني عزز موقع طهران الإقليمي، فضلاً عن مؤشرات دبلوماسية اعتبرها مراقبون بداية انفتاح سعودي محدود تجاه بعض ملفات التهدئة. إلا أن التعامل مع الرحلة الإيرانية إلى صنعاء أعاد طرح تساؤلات حول مدى انسجام السياسة السعودية الحالية مع تلك المؤشرات، وما إذا كانت الرياض لا تزال متمسكة بأدوات الضغط السابقة رغم تغير البيئة الاستراتيجية المحيطة بها.
البيان اليمني تعدى كونه رد فعل على حادثة جوية عابرة، ليحمل رسائل سياسية وعسكرية متعددة المستويات. فمن جهة، أعاد التأكيد على أن صنعاء تعتبر نفسها صاحبة السيادة الكاملة على المجال الجوي اليمني، ومن جهة أخرى أكد بأن القدرات العسكرية التي راكمتها خلال سنوات الحرب باتت تمنحها ثقة أكبر في حماية تلك السيادة، وأن مرحلة الاكتفاء بإدانة الانتهاكات قد انتهت لتحل محلها سياسة تقوم على الردع المباشر إذا اقتضت الضرورة.
ويعكس هذا الخطاب تحوّلاً واضحاً في طريقة إدارة الأزمة. ففي السنوات الأولى للحرب كان التركيز ينصب على الجانب الإنساني المرتبط بالحصار، أما اليوم فإن الرسائل الصادرة من صنعاء تتحدث بلغة الردع والسيادة وتوازن القوة، في إشارة إلى أن القيادة اليمنية ترى أن ميزان القوى لم يعد يميل بالكامل لصالح خصومها كما كان في بداية الصراع.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى الدعم الإيراني خصوصا بعد انتصار طهران العسكري في الحرب الأخيرة، وفق رؤية صنعاء، باعتباره أحد أهم العوامل التي ساهمت في تطوير القدرات الدفاعية اليمنية، سواء من خلال نقل الخبرات التقنية أو تبادل المعلومات الاستخباراتية أو توفير الغطاء السياسي والدبلوماسي. وترى صنعاء أن هذا الدعم أسهم في تحسين قدرات الرصد والتصدي الجوي، ورفع مستوى الجاهزية الدفاعية، بما جعل أي تحرك عسكري ضدها أكثر تعقيداً وكلفة مما كان عليه في السابق.
في المقابل، لا تبدو الرياض، وفق تقديرات عدد من المحللين، راغبة في الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة، ليس بسبب غياب القدرات العسكرية، وإنما بسبب ارتفاع كلفة أي تصعيد جديد على المستويات الاقتصادية والاستثمارية والأمنية. فالمملكة التي تعمل منذ سنوات على تنفيذ مشاريع اقتصادية ضخمة ضمن رؤية 2030، تدرك أن أي اضطراب أمني واسع قد ينعكس مباشرة على ثقة المستثمرين والأسواق العالمية، وهو ما يجعل خيار التصعيد العسكري الشامل أقل جاذبية مما كان عليه في مراحل سابقة.
ومن هنا، يرجح بعض المراقبين أن تعتمد السعودية سياسة تجمع بين الضغوط السياسية والاتصالات غير المعلنة، مع المحافظة على مستوى من الردع العسكري دون الوصول إلى مواجهة مفتوحة، في محاولة لاحتواء الأزمة ومنع تحولها إلى حرب جديدة يصعب التحكم بمسارها.
ويُعد وصول الطائرة الإيرانية إلى مطار صنعاء حدثاً ذا دلالة سياسية ورمزية كبيرة، لأنه أظهر أن الحصار الجوي لم يعد محكماً كما كان في السابق، وأن إمكانية تسيير رحلات مباشرة إلى العاصمة اليمنية باتت أمراً قابلاً للتحقق إذا توافرت الظروف السياسية والأمنية المناسبة. ومع ذلك، فإن هذا التطور لا يعني انتهاء الحصار بصورة كاملة، إذ لا تزال القيود الدولية والإقليمية المفروضة على حركة الطيران قائمة، كما أن استدامة هذه الرحلات ستظل مرتبطة بالتفاهمات السياسية والأمنية التي قد تُبرم في المرحلة المقبلة.
وفي حال نجحت التجربة واستمرت الرحلات الجوية بصورة منتظمة، فإن ذلك سيشكل تحولاً مهماً في الواقع الإنساني والاقتصادي داخل اليمن، وسيمنح صنعاء ورقة سياسية إضافية في أي مفاوضات مستقبلية تتعلق بإنهاء الحرب ورفع الحصار.
أما على المستوى العسكري، فإن أخطر ما يواجه السعودية اليوم، بحسب التقديرات التي يطرحها خبراء عسكريون ، يتمثل في تطور القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة اليمنية، والتي أصبحت قادرة على الوصول إلى أهداف استراتيجية داخل العمق السعودي. ويُنظر إلى هذا التطور باعتباره أحد أبرز مظاهر التحول في ميزان الردع، بعدما أثبتت الهجمات السابقة إمكانية إصابة منشآت حيوية ذات أهمية اقتصادية واستراتيجية.
وتشير هذه التقديرات إلى أن أي عودة للمواجهة العسكرية الواسعة قد تضع عدداً كبيراً من المنشآت السعودية أمام مخاطر مباشرة، بما في ذلك المشاريع الاقتصادية الكبرى مثل مدينة نيوم، والمنشآت النفطية التابعة لأرامكو، ومحطات إنتاج الكهرباء وشبكات توزيعها، إضافة إلى المطارات والموانئ والبنية التحتية للاتصالات والإنترنت. واستهداف مثل هذه المنشآت، إذا وقع، قد يؤدي إلى تعطيل قطاعات اقتصادية واسعة وإرباك حركة التجارة والاستثمار والنقل، وهو ما يجعل الكلفة الاقتصادية لأي تصعيد مرتفعة للغاية بالنسبة للمملكة.
ويرى أصحاب هذا التقدير أن امتلاك اليمن وسائل هجومية منخفضة الكلفة نسبياً، مقابل ارتفاع كلفة الدفاع عن مساحة جغرافية واسعة ومنشآت حيوية متعددة داخل السعودية، خلق معادلة ردع جديدة لم تكن قائمة في بداية الحرب، وجعل خيار الحسم العسكري أكثر صعوبة وتعقيداً بالنسبة لجميع الأطراف.
وبالعودة إلى مسار الصراع منذ انطلاق العمليات العسكرية قبل أكثر من أحد عشر عاماً، فإن المشهد الحالي يعكس اختلافاً كبيراً عن بدايات الحرب. فاليمن، رغم ما تعرض له من دمار واسع في البنية التحتية وأزمات إنسانية واقتصادية وصحية ونزوح واسع للسكان، تمكن من تطوير قدراته العسكرية بصورة تدريجية، بينما أنفقت السعودية مئات المليارات من الدولارات على العمليات العسكرية والدفاعات الجوية والتسليح، دون أن تتمكن من الوصول إلى تسوية تحقق جميع أهدافها المعلنة.
وفي المقابل، تبقى الهدنة التي أُعلنت لأول مرة في الثاني من أبريل/نيسان 2022، رغم ما شهدته من تمديدات وتفاهمات غير معلنة، إطاراً هشاً قابلاً للاهتزاز مع أي تصعيد جديد. ويرى مراقبون أن أي احتكاك عسكري يتعلق بالمجال الجوي أو الملاحة المدنية قد يكون كفيلاً بإعادة المنطقة إلى أجواء المواجهة، الأمر الذي سيزيد من تعقيد جهود الوساطة الإقليمية والدولية الرامية إلى تثبيت الاستقرار.
وتقود هذه التطورات إلى استنتاج مفاده أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة جديدة تختلف عن السنوات الأولى للحرب. فالتوازنات العسكرية والسياسية لم تعد كما كانت، وأدوات الضغط تغيرت، كما أن كلفة استمرار الصراع أصبحت مرتفعة على جميع الأطراف. وفي ظل هذه المعطيات، تبدو خيارات التصعيد أكثر خطورة من أي وقت مضى، بينما يزداد وزن الحلول السياسية باعتبارها الطريق الأقل كلفة لتجنب مواجهة قد تمتد آثارها إلى مجمل الإقليم، وتنعكس على الأمن والاقتصاد والاستقرار في اليمن والسعودية والمنطقة بأسرها.
*كاتب وباحث عراقي متخصص في الشؤون الإيرانية والإقليمية
السعودية تحت ضغط المتغيرات اليمنية!
