نجاح محمد علي*
في تصريح لافت خاطب به المعترضين داخل إيران على مذكرة التفاهم الايرانية الأمريكية، شدد اللواء محسن رضائي، المستشار العسكري لقائد الثورة الإسلامية على أن الهدنة لن تطول، وأن الأمريكي هو من سيقوم بكسرها وتمزيق المذكرة التي وقعها . تحذير رضائي الذي كان القائد العام للحرس الثوري طوال فترة الحرب مع العراق، هو خلاصة رؤية استراتيجية عميقة يؤمن بها معظم الإيرانيين و تستند إلى تأريخ الصراعات وطبيعة العدو الذي لا يعرف الوفاء بعهوده، وخصوصاً هذا العدو و ما ارتكبه من جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب لازال يفخر بها منها اغتيال المرجع الديني و القائد الأعلى الإمام الشهيد سيد علي خامنئي.
نعم…إن ما يجري اليوم ليس سلاماً ولا هو مقدمة لسلام تشوبه توترات واضطرابات ، إنه فخ محكم نُصب لإيران بعد أن توقفت عن القتال في وقت القتال وقبلت بطلب أمريكا وقف إطلاق النار. هذه النتيجة الطبيعية لمن يتوقف عن القتال قبل تحقيق النصر الكامل وهزيمة العدو هزيمة نكراء.
في تأريخ الحروب الحديثة، ثبت مراراً أن طلب الهدنة أو وقف إطلاق النار في ذروة المعركة يُترجم ذلاً وعدواناً متواصلاً لا نهاية له. لقد حذرنا في السابق، وفي أكثر من مناسبة، من خطورة وقف القتال قبل تحقيق النصر وهزيمة العدو. ودعونا إلى تحويل النصر التكتيكي إلى انتصار استراتيجي في فترة المفاوضات. لكن للأسف الشديد، وقع الإيرانيون في خطأ كبير عندما قبلوا هذه الهدنة الهشة. فالعدوان الأمريكي-الصهيوني لن يتوقف عند هذا الحد، بل سيتوسع ليشمل جميع الأراضي الإيرانية، من الخليج الفارسي إلى بحر قزوين، ومن الحدود الغربية إلى الشرقية. الهدف ليس إضعاف إيران، وإنما إسقاطها وجوديًا أو محاولة إخضاعها بالكامل وتدمير بنيتها التحتية العسكرية والنووية والاقتصادية.
إن تغاضي إيران وعدم التعامل بحزم مع الضربات والخروقات الأمريكية السابقة هو ما جعل الأمريكي يتجرأ أكثر ويستهدفها مباشرة.
في تأريخ المواجهات الأخيرة التي اندلعت في فبراير الماضي، نفذ الكيان الصهيوني وداعموه الأمريكيون سلسلة من الضربات الاستفزازية ضد أهداف إيرانية وحلفائها، ثم فرضوا حصاراً بحرياً على مضيق هرمز وموانئ إيران. بدلاً من الرد الحازم الذي يردع العدو ويمنعه من التمادي، تم التسامح مع بعض هذه الخروقات تحت ضغط الوسطاء و هم يعملون بالكامل لصالح العدو. هذا التسامح أعطى واشنطن و الكيان الصهيوني الإشارة الخضراء للتصعيد. واليوم، يستمر القصف والاستفزازات تحت غطاء “الهدنة”، بينما يوهم الوسطاء إيران بأن الاتفاق على وشك الاكتمال، وأن الإفراج عن الأصول المجمدة أو رفع الحصار بات قريباً. في الواقع، تواصل أمريكا القصف والحصار حتى تحين الفرصة المناسبة للانقضاض الكبير، وتمنع إيران من بيع النفط بحرية، ومن الوصول إلى أصولها المجمدة. والمصيبة أن هذه الحقائق مدعومة بتصريحات المسؤولين الأمريكيين والصهاينة أنفسهم، الذين يعلنون صراحة أن أي اتفاق لن يكون نهائياً إلا إذا استسلمت إيران لشروطهم الكاملة في الملف النووي والصاروخي والإقليمي.
الوقائع التي أعقبت التوقيع على مذكرة التفاهم، أكدت بما لا يقبل الشك أن أمريكا ستقود المفاوضات إلى الفشل، كما فعلت سابقاً، وأن على إيران أن لا تنهي الحرب إلا بعد تعويض كامل عن الأضرار وضمانات مستقبلية حقيقية. لكن الوسطاء، سواء في إسلام آباد أو الدوحة ومسقط أو غيرها، يمارسون لعبة التسويف والتضليل، يعدون إيران بـ”تقدم كبير” كل أسبوع، بينما يمنحون العدو وقتاً ثميناً لإعادة ترتيب صفوفه، وإعادة تسليح الكيان الصهيوني، ونشر المزيد من القوات والسفن في المنطقة.
إن الحرب قائمة فعلياً رغم إعلان الهدنة. فالمواجهات لم تتوقف تماماً، والخروقات مستمرة من الجانب الأمريكي-الصهيوني، سواء عبر استهداف السفن أو الضغط على مضيق هرمز أو تنفيذ ضربات جديدة. الهدنة ليست سوى فترة راحة مؤقتة يستغلها العدو للتحضير لجولة أوسع تشمل كل الأراضي الإيرانية . قادة الكيان الصهيوني في يافا المحتلة يتحدثون علناً عن “اليوم التالي” الذي يتضمن تدمير القدرات الإيرانية بالكامل، بينما يواصل الأمريكيون فرض الحصار البحري ومحاولة خنق الاقتصاد الإيراني. هذا ليس سلاماً، هذا استمرار للحرب بوسائل أخرى، وفخ مصمم لإضعاف إيران من الداخل قبل الضربة القاضية.
في تأريخ الثورة الإسلامية والمواجهات مع الاستكبار العالمي، دفع الشعب الإيراني ثمناً باهظاً من الدماء والتضحيات ليحافظ على استقلاله وسيادته. الآلاف ، وعلى رأسهم الإمام السيد خامنئي ، استشهدوا في مواجهة العدوان الأمريكي-الصهيوني وحلفائهم في المنطقة. اليوم، يُسمح للبعض – سواء داخل أروقة التفاوض أو عبر الضغوط الداخلية – بالعبث بهذه التضحيات من خلال قبول هدنة هشة لا تضمن شيئاً سوى إعطاء العدو فرصة جديدة.
إلى متى سيستمر هذا العبث؟ إلى متى ستُرهن دماء الشهداء ومستقبل الأجيال القادمة لوعود كاذبة من وسطاء لا يملكون قراراً حقيقياً، بينما يخطط العدو للانقضاض على كل شبر من الأرض الإيرانية؟
إن وقف القتال قبل هزيمة العدو يعني منح العدو الوقت لاستعادة توازنه. في الحرب الحالية التي اندلعت بعد الضربات الأمريكية-الصهيونية في فبراير، حققت إيران إنجازات كبيرة في كسر هيبة أمريكا وإغلاق مضيق هرمز وتوجيه ضربات مؤلمة للقواعد الأمريكية. لكن قبول الهدنة أوقف هذا الزخم. الآن، يعيد العدو نشر قواته، ويحشد حلفاءه في المنطقة، ويعد لضربات أوسع نطاقاً تشمل المنشآت النووية والصاروخية والمدن الكبرى. الكثير داخل ايران حذر بوضوح: إذا استأنفت أمريكا القتال، فإن إيران ستعطي الحرب بعداً جديداً يشمل مهاجمة قواعد أمريكية أخرى وتوسيع العمليات إلى المحيط الهندي وباب المندب والبحر المتوسط. هذا الردع الحقيقي هو ما يخيف واشنطن ويافا المحتلة، ولذلك يسعون لكسر إرادة إيران عبر الهدنة المؤقتة.
الوسطاء الذين يدّعون الحياد يمارسون في الواقع دوراً في إطالة أمد العدوان. يقولون لإيران “الصبر جميل، الاتفاق قريب”، بينما يسمحون لأمريكا بمواصلة الحصار والاستفزازات. هذه اللعبة ليست جديدة؛ إنها تكرار لما حدث في مفاوضات سابقة انتهت بمزيد من العقوبات والضربات. إيران التي صمدت أمام أعتى الضغوط الاقتصادية والعسكرية لا ينبغي أن تقع مجدداً في فخ “السلام المؤقت” الذي يُستخدم كغطاء للتحضير للحرب الشاملة.
إن السماح للبعض بالعبث بتضحيات إيران يعني خيانة لدماء الشهداء ولحق الأجيال القادمة في العيش بحرية وكرامة. الشعب الإيراني الذي وقف صامداً في وجه العدوان يستحق قيادة سياسية حازمة لا تتردد في ترك طاولة المفاوضات وللأبد ، وقيادة عسكرية ترد بقوة أشد على كل خرق، ولا تقبل هدنة إلا بشروط القائد السيد مجتبى خامنئي تضمن النصر الكامل. لقد أكد القائد الأعلى الجديد أن الهدنة الحالية ليست نهاية الحرب، بل مرحلة جديدة منها. الحرب قائمة، والعدو يتربص، والفخ منصوب. على إيران أن تستعيد زمام المبادرة، وتتعامل بحزم مع كل محاولة للالتفاف على حقوقها، وترفض أي اتفاق لا يضمن رفع الحصار الكامل وتعويض كل الأضرار وإنهاء التهديد الصهيوني-الأمريكي إلى الأبد.
في الختام، تؤكد التصريحات والتطورات الميدانية والتأريخ أن ما يُسمى بالهدنة ليس سوى فخ لإيران. الأمريكي والكيان الصهيوني لن يتوقفا عن العدوان، بل سيوسعانه ليشمل كل الأراضي الإيرانية إذا سُمح لهما بذلك.
لقد حذر اللواء محسن رضائي، وحذرنا سابقاً، واليوم يتجلى التحذير واقعاً ملموساً. على الجميع أن يدرك أن النصر لا يأتي بالتنازلات، بل بالصمود حتى هزيمة العدو. إيران التي كسرت هيبة أمريكا مرة، قادرة على كسرها مجدداً إذا رفضت الفخ واستأنفت المسار الصحيح نحو النصر الكامل.
*كاتب وباحث عراقي متخصص في الشؤون الإيرانية و الإقليمية
الحرب قائمة والعدوان الأمريكي-الصهيوني لن يتوقف!
