اليمن الحر الأخباري

فلسطين في مدرجات كأس العالم… بين التضامن والحياد!

نادية حرحش*
هناك مشاهد تُبكي، وكأن الدموع كانت تنتظر مثل هذه اللحظات لتجد طريقها إلى الخارج، بعد أن عجزت عن الانسياب وسط كل هذا الظلم، وما راكمته السنوات من تصلب في المشاعر أمام الألم المتعاظم في داخلنا.
مباريات كأس العالم، ولا سيما حين تصل المنتخبات العربية إلى مراحل متقدمة، توقظ فينا شيئاً يتجاوز كرة القدم. إنها توقظ ما عجزنا عن التعبير عنه في ساحات أخرى. ففي زمن أصبح فيه التعبير قد يقود إلى الاعتقال أو الملاحقة أو حتى القتل، وفي زمن غدت فيه حياة الإنسان أبخس ما فيه، تتحول الملاعب أحياناً إلى واحدة من آخر المساحات التي يجد فيها الصوت منفذاً إلى العالم.
ما رأيناه في هذه البطولة أعاد إلى السطح حقيقة غابت عنا طويلاً، أو لعلها الحقيقة التي تكشفت منذ تشرين، حين انكشف حجم الهوة بين الشعوب والحكومات. منذ تلك الأيام لم يعد الفلسطيني يسأل: أين الملايين؟ لأن السؤال تبدل. أدرك أن عدوه الظاهر ليس وحده من يستهدفه، بل أيضاً من يهيئ له الطريق، ويوفر له الغطاء، ويبرر أفعاله أو يصمت عنها. اتسعت الفجوة بين الفلسطيني والعالم كما بدت في مواقف الحكومات، واتسعت أكثر بينها وبين الحكومات الناطقة بالعربية قبل غيرها.
لكن الظلم، مهما اشتد، يعجز عن إغلاق الطريق إلى الضمير. وكما أن للحق قوة لا تزول حتى في أضعف حالاته، فإن للظلم أثراً معاكساً؛ فهو يوقظ الضمير كلما بقي في القلب شيء من الرحمة. ولهذا صار الفلسطيني، بالنسبة إلى ملايين البشر، صورةً للحق المظلوم.
ولم تكن الأعلام الفلسطينية التي رفعتها الجماهير، ولا المبادرات التي قام بها لاعبون ومنتخبات من دول مختلفة، مجرد لفتات تضامن، بل كانت إعلاناً بأن القضية التي حاولت الحكومات حصرها في دهاليز السياسة ما تزال حية في وجدان الشعوب، مهما اشتدت محاولات تغييبها.
ولعل ما منح كأس العالم هذه المرة أهمية استثنائية أنه تحول إلى مساحة للتعبير في وقت تتسع فيه رقعة القمع، حتى في الدول التي تقدم نفسها بوصفها حامية لحرية التعبير. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، بات مجرد التضامن مع فلسطين سبباً للعقوبات والإقصاء والتشهير، بينما قالت المدرجات ما مُنع كثيرون من قوله في الجامعات وأماكن العمل ووسائل الإعلام.
وفي هذا السياق اكتسبت بعض الإشارات الرمزية معنى يتجاوز حجمها الظاهر. فقد بدا استعادة الضمير العربي، والمصري على وجه الخصوص، أكثر حضوراً في هذه اللحظة. فالفلسطيني، الذي ظن كثيرون أنه فقد ثقته بمحيطه العربي، رأى من جديد أن صمت الشعوب لم يكن دائماً اختياراً، بل كان، في كثير من الأحيان، نتيجة القمع والإخضاع.
لهذا حملت لفتة مدرب المنتخب المصري، حسام حسن، دلالة تتجاوز الإشارة نفسها. بدت وكأنها تعبير مؤجل عن سنوات طويلة من الصمت، واختياراً واعياً للحظة الأكثر حضوراً أمام العالم، لتكون فلسطين وجهتها.
لقد كشفت هذه السنوات معادن الناس. عرفنا أن كثيراً مما كان يلمع لم يكن سوى بريق زائف، وأن الذهب الحقيقي يظهر في وجوه أولئك الذين استطاعوا اختراق جدار الخوف، ورفضوا الخضوع لمنطق الإسكات.
وحين نرى أهل غزة، وسط كل ما يعيشونه من حرب وتجويع وموت، يحتفلون بانتصار مصر، فإننا لا نرى مجرد تشجيع لفريق كرة قدم، بل نرى شعباً ما زال قادراً على منح الآخرين الفرح وهو محروم منه، وعلى التمسك بالحياة وهو يواجه الموت كل يوم. تلك قدرة لا يفهمها إلا الأحرار.
تبقى هذه المشاهد موجعة، لأنها تذكرنا بحقيقة شديدة القسوة. فكما كشفت الحرب وجه الاحتلال، وكشفت منظومة الاستعمار والقوى التي تحميها، فإنها كشفت أيضاً ما تراكم في داخلنا، أفراداً وشعوباً، من صدأ صنعته سنوات الخوف والهزائم والصمت.
ومع ذلك، فإن ما كشفته هذه البطولة لا يقل أهمية. فقد أعادت التذكير بأن الشعوب، مهما طال إسكاتها، لا تموت، وأن الضمير، مهما بدا غائباً، يجد دائماً طريقه إلى الظهور. وربما لهذا السبب كانت الدموع التي سالت في المدرجات وعلى الشاشات أكبر من أن تكون دموع كرة قدم؛ كانت دموعاً خرجت من أماكن ظل الصمت يحرسها طويلاً.
ولقد رأينا أيضاً العلم الإسرائيلي بين جمهور الأرجنتين. كان حضوره يتيماً، رغم كل العجرفة التي تجلت في الاصطفاف وراء فريق بدا لكثيرين الأقرب إلى الفوز. ولم يكن ذلك مستغرباً. فنحن نعيش لحظة هي الأهم في تاريخنا الحديث: لحظة انكشاف الحقيقة. لم تعد هناك أقنعة.
والحقيقة، مهما كانت قاسية، تبقى أرحم من الأقنعة التي تخفي وراءها الكراهية والعنصرية ومنطق القوة. أفهم أن بعض من يتماهى مع الاحتلال يفعل ذلك لأنه يرى فيه صورة للقوة، أو لأنه امتداد طبيعي لمنطق استعماري قامت عليه دول ومجتمعات بنت ازدهارها على محو أصحاب الأرض الأصليين. وأفهم أيضاً أن هناك مصريين رأوا أن فرحتهم كانت لمصر وحدها، وأن استعادة منتخبهم لمكانته لا علاقة لها بفلسطين.
لكن ما لم أستطع فهمه هو أن أرى فلسطينيين يرفعون علم الأرجنتين في القدس، أو مطعماً فلسطينياً يخصص ليلته لتشجيع الأرجنتين، وكأن كل ما يجري خارج أسوار الملعب لا يعنيه. لا أفهم كيف يستطيع الفلسطيني أن يكون محايداً، حتى في لحظة تبدو للآخرين مجرد مباراة كرة قدم، بينما هي بالنسبة إليه لحظة أخرى يرى فيها العالم، ويراه العالم.
وربما كانت هذه المشاهد هي الأكثر إيلاماً. فالخراب الذي تركه الاحتلال فينا لم يقتصر على الأرض ولا على الحجر، ولا حتى على السياسة. ثمة خراب آخر، أكثر خفاءً، يصيب البوصلة نفسها، حتى يصبح الحياد ممكناً في زمن الإبادة، ويغدو الصمت خياراً عادياً، وتتحول المأساة إلى خبر يمر بجوار مباراة لكرة القدم.
منذ تشرين، لم يعد العالم كما كان، ولم يعد الفلسطيني كما كان. وربما لهذا السبب لم أعد أستطيع النظر إلى الحياد بوصفه اختلافاً في الرأي، بل بوصفه أحد أكثر آثار هذا الخراب قسوةً علينا.
*كاتبة فلسطينية

Exit mobile version