اليمن الحر الأخباري

تفكيك بنية الصمود وإشكاليات التحول في الفكر السياسي الفلسطيني الراهن!

د. هاني الروسان*
في الندوة الحوارية التي نظمها مركز الأبحاث الفلسطيني، في رام الله في التاسع من جويلية تموز 2026، تحت عنوان مقتضب ومثقل بالدلالات: “آفاق المرحلة القادمة في ظل التحديات التي تواجهها القضية الفلسطينية”، أعاد الدكتور محمد اشتية، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح رئيس مجلس إدارة المركز، طرح مفهوم “الصمود” كمخرج او استراتيجية للانقاذ في لحظة تشهد انسداداً تاريخياً للأفق السياسي في ايجاد حل عادل للقضية الفلسطينية.
بيد أن هذا الطرح، وفي هذا التوقيت الحرج بالذات وفي سياقه الراهن، يضع ضرورة الفكر الفلسفي والسياسي الفلسطيني أمام استحقاق مفاهيمي لا يقبل التأجيل وهو أيّ صمودٍ نعني؟ وهل انه بقي اداة للمقاومة، ام تحوّل هذا المفهوم في الوعي الجمعي الفلسطيني والممارسات المؤسساتية من “أداة تحررية” إلى “آلية تكيفية” تخدم، من حيث لا تدري، استدامة الوضع القائم؟
إن تفكيك بنية “الصمود” يتطلب الانتقال به من الحقل اللغوي العامي—الذي يربطه بـ”القدرة السلبية على التحمل”—إلى الحقل المعرفي والسياسي الذي يعيد صياغته كـ”فعل اشتباكي مركّب” يمتد من البنية الداخلية لينصهر في التوازنات الإقليمية والدولية. فتاريخياً، شكّل الصمود في التجربة الفلسطينية فعل وجود (Ontological Utterance)؛ أي إثبات الهوية في مواجهة محاولات المحو، غير أن المشهد الراهن كشف عن انزياح خطير للمفهوم نحو “الصمود السلبي” الذي ينطوي على فلسفة “الانتظار والانفعال”، حيث يكتفي الفاعل السياسي والاجتماعي بتلقي الصدمات (امتصاص العنف البنيوي، مثل تقبل الحصار المالي، والتعايش مع اقتطاع المقاصة) مراهناً على عامل الزمن أو حدوث تبدل مفاجئ في البيئة الخارجية.
ويكمن المأزق الفلسفي في هذا النمط من الصمود في حقيقتين بنيويتين: الأولى، خصخصة المعاناة وتحييد الخصم، إذ يُنقل عبء الأزمة بالكامل إلى كاهل الضحية، فتصبح إدارة الأزمة معركة داخلية للمجتمع (كيف يتدبر المواطن قوته؟ كيف تتعايش المؤسسة مع العجز؟)، في حين يتمتع الاحتلال بوضعية “الاحتلال المريح والمجاني”، حيث لا تترتب على سياساته التعنتية أي أكلاف مباشرة تُزعزع منظومته؛ والثانية، وهم الطاقة اللامتناهية، إذ يرتكز الصمود السلبي على فرضية فكرية خاطئة مفادها أن طاقة التحمل المجتمعية بئر لا تنضب، غير ان الواقع السوسيولوجي يؤكد أن التحمل هو طاقة فيزيائية ونفسية محدودة، وإذا ما طال أمد الضغط دون أفق للفعل، فإن الصمود السلبي يتحول حتماً إلى نكوص وتآكل داخلي وإحباط جمعي يؤسس للقبول بالأمر الواقع كوسيلة وحيدة للبقاء الإحيائي.
من هنا، تبرز الضرورة المعرفية للانتقال نحو “الصمود الإيجابي” (Active Resilience) الذي هو ليس “حالة نفسية” بل “استراتيجية اشتباك”، يقوم على رفض مبدئي للتكيف مع القهر، وتحويل طاقة البقاء من أداة “لتحمل الألم” إلى طاقة “لتدفيع الخصم ثمن إحداث هذا الألم”، بحيث تصبح إدارة الصراع تعني إدامة الاشتباك الدائم. غير أن هذا البعد الفكري لا يكتمل إلا بترجمته سياسياً على الصعيد الداخلي، حيث يجب أن يخرج الصمود الإيجابي من إطاره الفردي الأخلاقي العفوي إلى إطار المأسسة والتنظيم؛ فإدارة الصراع بالاشتباك داخلياً تتمحور حول تحويل أدوات الضغط الإسرائيلية إلى نقاط ضعف للخصم عبر الاشتباك البنيوي والاقتصادي، بأن يُرد مثلا على احتجاز اموال المقاصة والابتزاز المالي ليس بـ”التقشف والانتظار” فقط، بل بالانفكاك الهيكلي التدريجي الذي يصوغ اقتصاداً مقاوماً يعتمد على الأمن التكافلي وتشجيع الإنتاج المحلي وتحويل المقاطعة إلى سلوك بنيوي رسمي وشعبي، مما يحوّل التحمل من أزمة فلسطينية إلى أزمة مركبة للاحتلال يجد نفسه مجبراً على تحمل التبعات القانونية والاقتصادية كقوة احتلال مباشر؛ فضلاً عن الاشتباك عبر احياء الجماعية، بتحويل الوعي من “الفردية النفعية” إلى “الجماعية المنظمة”، حيث تلعب المؤسسات الأهلية والنقابات والمراكز الفكرية والسياسية دور الحاضنة لاستراتيجيات الصمود الإيجابي، مما يرفع سقف التحمل الشعبي عبر توفير شبكات أمان معنوية ومادية جماعية، ويمنع انهيار الجبهة الداخلية تحت وطأة الحصار النفسي والمعيشي.
ولصمان احراز تقدم على هذا المسار لا بد من الاعتراف بحقيقة بنيوية وهي أن الوضع الراهن للسلطة الوطنية، الذي انتجه التنصل الاسرائيلي من استحقاقات عملية السلام، والحصار الممنهج الذي باتت عليه لا يمكنها من أن تكون أداة الانفكاك ما لم تخضع لإعادة تأسيس جذرية لعلاقتها بالشعب، كما سيظل الاشتباك مشتتاً ومشوهاً دون تجاوز جذري للانقسام الجغرافي والسياسي بين الضفة وغزة، وإلا تحول الاشتباك الداخلي إلى تنافس على شرعية التحمل بين الفصائل بدلاً من أن يكون جبهة جامعة ضد الخصم. وبعيداً عن هذه الإشكالية الداخلية، فإن الخلل الأكبر في أدبيات الصمود التقليدية يتمثل في حصرها للصمود في بعده الجغرافي المعزول، فالصمود الإيجابي لا يمكنه التبلور تاريخياً في بيئة مغلقة؛ بل انه يتطلب امتداداً جيوسياسياً يربط الفعل الداخلي بالساحتين الإقليمية والدولية، ليتحول من “دفاع موضعي” إلى “اشتباك مركب عابر للحدود”.
فعلى المستوى الإقليمي، ينبغي استثمار التناقضات الإقليمية وفرض القضية كمعادل موضوعي في أي معادلة استقرار، وذلك عبر بناء جبهات إسناد سياسي واقتصادي تحول الصمود من عبء مالي فلسطيني إلى مسؤولية قومية مشتركة، وربط مصالح العواصم الإقليمية بمدى استقرار أو اشتعال الجبهة الفلسطينية، مما يمنع الاستفراد بها.
أما على المستوى الدولي، فيمثل انسداد الأفق التفاوضي فرصة مثالية لنقل المعركة إلى الساحة الدولية، ليس لاستجداء الحلول، بل لإدامة الاشتباك القانوني والمعياري عبر عولمة المعركة القانونية في المحاكم الدولية، وتحويل المعاناة اليومية إلى سببية قانونية لتجريم المنظومة الاستعمارية، إلى جانب تفعيل الدبلوماسية الشعبية وحركات التضامن والمقاطعة، ليكون هذا الاشتباك الدولي بمثابة “مُضاعف قوة” (Force Multiplier) يفرض على عواصم القرار تكلفة سياسية باهظة ويحرم إسرائيل من عمقها الاستراتيجي الأخلاقي. بيد أن إدامة هذا الاشتباك عبر الزمن تطرح معضلة الأفق الزمني والإرهاق الجمعي، فالاشتباك الدائم دون علامات طريق ملموسة يتحول إلى عبء وجودي يستنزف الطاقة النفسية ويُحدث الإحباط، مما يستوجب بناء اقتصاد سياسي للمعنى يرتكز على تراكم الانتصارات الإجرائية الصغيرة (كقرارات المحاكم وتضاعف حملات المقاطعة) كرأس مال رمزي يغذي الدافعية ويضمن تجدد الأمل عبر الأجيال، وإلا أصبح الاشتباك نفسه استنزافاً مضاعفاً للذات بدلاً من أن يكون إزعاجاً للآخر.
إن الخلاصة الفكرية التي تفرضها اللحظة الراهنة هي أن الصمود كـ”قدرة على التحمل” (فعل سلبي) هو صمود في خندق متراجع، ينتهي باستنزاف الضحية ومنح المحتل وقتاً لهندسة التصفية؛ أما الصمود كـ”إدارة للصراع عبر إدامة الاشتباك الدائم” (فعل إيجابي شامل)، فهو الكفيل بقلب ميزان التكلفة، لكن قلبه هذا يظل معلقاً ما لم تخضع النخبة الفلسطينية لمراجعة نقدية جذرية تراجع من خلالها جدوى أدوات العمل الراهنة والتي يبدو انها قد باتت عائقاً، وأن نجاح أطروحة والصمود مرهون بقدرتها على تجاوز نرجسية الخطاب الوطني الجامد نحو هندسة ثقافة مجتمعية راسخة للاشتباك، لا مجرد خيار تكتيكي مؤقت. وعليه، فإن ندوة مركز الأبحاث الفلسطيني يجب ألا تمر كحدث لتوصيف المعاناة، بل كدعوة لصياغة مانيفستو جديد يغلق عصر “التكيف السلبي” ويفتح باب “الاشتباك الممنهج”، لأن الأفق السياسي لا يُنتظر بل يُصنع بصياغة شروط مواجهة غير مريحة للاحتلال وللعالم بأسره.

*كاتب واكاديمي تونسي

Exit mobile version