د. وائل عواد*
لم يكن أحد يتوقع أن تتحول حركة شبابية احتجاجية ساخرة تحمل اسماً لافتاً مثل “حزب الصرصور الشعب” إلى موجة احتجاج تتجاوز حدود المدن والجامعات، وتتحول إلى قضية سياسية واجتماعية تستقطب قطاعات واسعة من الشباب والمعارضة والنقابات والحركات المدنية. ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، لجأت السلطات إلى تشديد الإجراءات الأمنية وقطع بعض الطرق وتعطيل حركة المترو، فيما أدت المواجهات إلى سقوط جرحى واعتقال المئات، الأمر الذي زاد من حدة التوتر وأشعل مزيداً من الغضب في الشارع.
البداية
بدأت الحركة في مايو/أيار 2026 كمبادرة ساخرة على الإنترنت، أطلقها الناشط أبهيجيت ديبكي (Abhijeet Dipke)، في أعقاب جدل أثاره تصريح منسوب إلى رئيس المحكمة العليا الهندية بشأن الشباب العاطلين عن العمل، أثار موجة من الغضب. واختارت الحركة اسم “كوكروتش” (Cockroach)، أي «الصرصور»، في محاولة ساخرة لتحويل العبارة المثيرة للجدل إلى رمز للمقاومة والصمود والقدرة على البقاء.
لكن الحركة سرعان ما خرجت من الفضاء الإلكتروني إلى الشارع، خصوصاً مع تصاعد غضب الطلاب بسبب أزمة تسريب أوراق امتحانات NEET وغيرها من المخاوف المتعلقة بنزاهة نظام الامتحانات والقبول الجامعي. وتحول الاحتجاج تدريجياً من حملة ساخرة إلى حركة شبابية أوسع تطالب بمحاسبة المسؤولين وإصلاح منظومة الامتحانات، وعلى رأس مطالبها استقالة وزير التعليم الاتحادي دارمندرا برادان.
وتفاقمت الأزمة في 20 يوليو/تموز 2026، عندما دعت قيادات الحركة أنصارها إلى التوجه نحو البرلمان الهندي، احتجاجاً على الاتهامات المتكررة بتسريب أوراق الامتحانات، وهي قضية تمس ملايين الطلاب والأسر الهندية، ولا سيما الطبقة الوسطى والشباب الذين ينظرون إلى التعليم باعتباره بوابة رئيسية للارتقاء الاجتماعي وتحقيق مستقبل أفضل.
وفي بلد يعتمد فيه ملايين الشباب على الامتحانات التنافسية للوصول إلى الجامعات والوظائف الحكومية والمهن المرموقة، فإن أي تسريب أو شبهات حول نزاهة الامتحانات تخلق شعوراً عميقاً بأن قواعد المنافسة لم تعد عادلة. ولهذا سرعان ما تحولت القضية من مجرد خلل إداري إلى قضية رأي عام ذات تداعيات سياسية واجتماعية واسعة.
لكن الاحتجاجات باتت تتجاوز المطالبة بإصلاح نظام الامتحانات أو استقالة وزير التعليم. فخلف هذا الغضب تكمن قضايا أكثر عمقاً، من أزمة الوظائف وارتفاع سقف طموحات الشباب، إلى مطالب الشفافية والعدالة وتكافؤ الفرص. ومع اتساع رقعة الاحتجاج، وجدت أحزاب المعارضة فرصة لاستثمار السخط الشبابي وتوظيفه سياسياً في مواجهة حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي.
وسارعت المعارضة إلى دعم الاحتجاجات، مستغلةً انعقاد الدورة الموسمية للبرلمان للضغط على الحكومة داخل المؤسسة التشريعية وفي الشارع على حد سواء، وتحويل قضية تمس مستقبل ملايين الشباب إلى أداة للمساءلة السياسية. غير أن الخط الفاصل بين المطالبة بالإصلاح والتوظيف السياسي يبقى دقيقاً؛ إذ قد تتحول المنافسة السياسية، إذا تجاوزت حدودها، من وسيلة للضغط من أجل الإصلاح والمحاسبة إلى محاولة لتعطيل المؤسسات واستثمار الغضب الشعبي لتحقيق مكاسب انتخابية.
وهكذا، لم تعد «الصراصير» مجرد حركة ساخرة ولدت على وسائل التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى ظاهرة احتجاجية تستحق المتابعة، خصوصاً إذا تمكنت من الحفاظ على زخمها وتوسيع قاعدتها خارج نطاق الطلاب والشباب. فالسؤال لم يعد متعلقاً فقط بتسريب أوراق الامتحانات، وإنما بما إذا كانت هذه الحركة تعكس غضباً أوسع لدى جيل شاب يبحث عن فرص عادلة ومستقبل أفضل، وما إذا كان هذا الغضب سيبقى في إطار المطالب الاجتماعية، أم يتحول إلى قوة سياسية قادرة على التأثير في مستقبل المشهد الهندي.
في المقابل، قد تسعى الحكومة إلى تصوير الاحتجاجات باعتبارها تحركاً تقف وراءه قوى سياسية بهدف التحريض وزعزعة الاستقرار، وهو ما قد يزيد من حدة الاستقطاب ويدفع بالقضية بعيداً عن جوهرها الأصلي، أي إصلاح منظومة الامتحانات وضمان نزاهتها، لتتحول إلى مواجهة سياسية مفتوحة بين الحكومة والمعارضة.
لكن الحركة نجحت في اكتساب شعبية واسعة، ولا سيما بين الشباب، فيما أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع انتشارها وتوسيع نطاقها، حتى أصبح من الصعب على أي جهة التحكم الكامل في مسارها أو في الخطاب المتداول حولها. وهذا ما يثير مخاوف الحكومة من أن تتحول قضية مطلبية محددة إلى حركة سياسية وطنية تمس مصداقيتها، وتمتد من ملف التعليم إلى قضايا أكثر حساسية، مثل البطالة والفساد والحوكمة والعدالة الاجتماعية.
ويبدو أن حكومة مودي بدأت تدرك خطورة هذا الاحتمال، خصوصاً مع اتساع المشاركة الشبابية واستمرار التحركات، وما رافقها من ردود فعل أمنية أثارت مزيداً من الجدل. ولذلك سعت إلى احتواء الأزمة قبل خروجها عن السيطرة، من خلال إرسال وزراء ومسؤولين للتواصل مع المحتجين، والتعهد باتخاذ إجراءات صارمة بحق المسؤولين عن أي عمليات تسريب، إلى جانب مراجعة آليات إجراء الامتحانات وتعزيز الضمانات المتعلقة بنزاهتها وشفافيتها.
احتجاج على الامتحانات أم بداية تحول سياسي؟
ما يجري في الهند يتجاوز قضية تسريب أوراق الامتحانات؛ إنه صراع على ثقة جيل شاب في الدولة ومؤسساتها، وعلى مدى شعوره بأن مستقبله يقوم على العدالة وتكافؤ الفرص. فالأحزاب السياسية تحاول توظيف هذا الغضب وتوجيهه لخدمة أجنداتها، بينما تسعى الحكومة إلى احتواء الاحتجاجات قبل أن تتحول من حركة مطلبية مرتبطة بالتعليم إلى موجة أوسع من الاعتراض على سياساتها وأدائها.وهو السيناريو الأكثر إثارة، ويتمثل في قدرة الحركة على تنظيم صفوفها وبناء هيكل وطني مستقل، والحفاظ على مسافة واحدة من الأحزاب التقليدية، وتحويل الاحتجاج الشبابي إلى مشروع سياسي قادر على المنافسة والتأثير في الانتخابات المقبلة. وإذا تحقق ذلك، فقد نشهد ولادة قوة سياسية جديدة في المشهد الهندي، تنطلق من مطالب الشباب وتستفيد من قوة وسائل التواصل الاجتماعي في حشد الرأي العام.
ولعل من أكثر الجوانب إثارة للقلق في هذه الاحتجاجات محدودية التغطية التي حظيت بها في جانب من وسائل الإعلام الهندية التقليدية، الأمر الذي أثار تساؤلات حول استقلالية الصحافة وقدرتها على القيام بدورها في نقل صوت الشارع ومراقبة أداء السلطة. فالإعلام الحر ليس ترفاً في أي ديمقراطية، بل هو إحدى ركائزها الأساسية، ولا يمكن للديمقراطية أن تؤدي وظيفتها كاملة من دون صحافة مستقلة تضع المصلحة العامة فوق الحسابات السياسية والتجارية. ولعل ما يجري يمثل فرصة لمراجعة هذا الدور واستعادة ثقة الجمهور، قبل أن تملأ وسائل التواصل الاجتماعي الفراغ الذي تتركه الصحافة التقليدية.
والدرس العربي… هل تعيد الصراصير ما عجز عنه الربيع؟
وهنا يطرح سؤال آخر نفسه، خصوصاً في العالم العربي: هل تحمل هذه الاحتجاجات درساً يمكن الاستفادة منه بعد تجربة ” الربيع العربي”التي رفعت سقف التطلعات الشعبية، لكنها انتهت في كثير من البلدان إلى الفوضى أو الانقسامات أو عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه؟
هل نحن أمام حركة شبابية جديدة يمكن أن تعيد رسم المشهد السياسي في أكبر ديمقراطية في العالم، أم أن الأمر لا يعدو كونه موجة احتجاج ستبتلعها المؤسسات الديمقراطية كما ابتلعت غيرها من الحركات؟
المفارقة الساخرة أن الديمقراطية الهندية تبدو أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع المؤسسات أن تستوعب غضب الشارع وتحوّله إلى إصلاح، أم أن الشارع سيكتشف أن الطريق إلى التغيير يمر عبر صناديق الاقتراع… بعد أن يمر أولاً عبر الشوارع؟
أما الدرس العربي، فقد يكون أكثر مرارة: الثورات قد تسقط حكومات، لكنها لا تبني بالضرورة دولاً؛ والاحتجاج قد ينجح في فتح الأبواب، لكنه لا يضمن أن من يدخل منها سيكون أفضل ممن خرج.
لذلك، فإن السؤال بالنسبة للهند ليس فقط ما إذا كانت “كوكرتش جانتا بارتي” ستنجح في هز عرش مودي، بل ما إذا كانت الديمقراطية الهندية قادرة على تحويل غضب الشباب إلى إصلاح مؤسسي، قبل أن يتحول الغضب إلى فوضى، وقبل أن تتحول “الصراصير” من رمز احتجاج إلى عنوان لأزمة سياسية أكبر.
وربما تكون المفارقة الأخيرة أن الصراصير، كما نعرف، من أكثر الكائنات قدرة على البقاء… فهل تنجح هذه الحركة في البقاء أيضاً؟ أم أن السياسة الهندية ستجد لها مبيداً ديمقراطياً سريع المفعول؟
*كاتب صحفي فلسطيني مقيم في الهند-مستشار مميز في مؤسسة تيليتوما للدراسات الاستراتيجية
“الصراصير” تهز عرش مودي؟
