د. مهدي مبارك عبد الله*
بداية وقبل الخوض في هذا الموضوع هذا استهلال لا بد منه لتأكيد حقيقة لا تحتمل التأويل وهي بأن هذا المقال لا يعبر بأي حال من الأحوال عن اعتراض على حق المملكة العربية السعودية في امتلاك برنامج نووي سلمي بل على العكس تماماً فإننا ننظر إلى هذه الخطوة بكل اعتزاز وترحيب ونعدها إنجازاً عربياً وإسلامياً يستحق الإشادة والدعم ان تحققت لأن امتلاك المعرفة والتكنولوجيا النووية للأغراض السلمية حق مشروع تكفله القوانين والمواثيق الدولية لكل دولة تلتزم بضوابط الوكالة الدولية للطاقة الذرية .
كما إننا لا زلنا نتطلع بأمل إلى اليوم الذي تمتلك فيه سائر الدول العربية والإسلامية وفي مقدمتها ايران برامج علمية وتقنية متقدمة لأن الأمم باتت لا تُقاس بما تملك من ثروات فحسب وإنما بما تمتلكه من علم ومعرفة وقدرة على إنتاج التكنولوجيا وصناعة المستقبل وأن البرنامج النووي السعودي لا يقتصر أثره على إنتاج الطاقة أو تنويع الاقتصاد بل يُنتظر أن يسهم في تكوين أول نخبة عربية واسعة في الفيزياء والهندسة النووية وإدارة الوقود النووي والبحث العلمي المتخصص وهو استثمار حضاري في الإنسان والعقل قبل أن يكون استثماراً في المفاعلات والمنشآت ومن هذا المنطلق فإننا لا نناقش مدى مشروعية البرنامج النووي السعودي وإنما نحاول قراءة التحولات الجيوسياسية الكبرى التي كشفتها موافقة واشنطن مؤخرا وما تحمله من دلالات تتجاوز حدود المملكة لتطال مستقبل المنطقة بأسرها بكاملها واننا في النهاية نقدم مقالا تحليليا وليس بيانا سياسيا .
اعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرا موافقته على إبرام اتفاق نووي مدني مع المملكة العربية السعودية لم يكن مجرد صفقة اقتصادية جديدة أو عقد لبناء مفاعلات لإنتاج الكهرباء كما حاولت الإدارة الأمريكية تصويره بل يمثل تحولاً استراتيجياً عميقاً في فلسفة السياسة الأمريكية تجاه الانتشار النووي ويكشف عن سقوط واحدة من أكثر العقائد المتشددة رسوخاً في الشرق الأوسط وهي منع أي دولة في المنطقة من امتلاك دورة وقود نووي مستقلة خارج إسرائيل ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لم يعد ماذا ربحت السعودية من الاتفاق بل لماذا تخلت واشنطن فجأة عن سياسة ظلت تدافع عنها لعقود ولماذا أصبح ما كان محرماً بالأمس واليوم على إيران مشروعاً للسعودية .
منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 رفعت الولايات المتحدة شعاراً ثابتاً مفاده أن تخصيب اليورانيوم الايراني يمثل الطريق الأقصر نحو امتلاك السلاح النووي وأن السماح لأي دولة شرق أوسطية ببناء هذه القدرة يمثل تهديداً للأمن الإقليمي والدولي وباسم هذا الشعار فرضت واشنطن عشرات الحزم من العقوبات على طهران وخاضت معها مفاوضات شاقة امتدت سنوات طويلة ثم دعمت بصورة مباشرة وغير مباشرة عمليات تخريب واغتيالات استهدفت منشآتها وعلماءها بل وصلت الأمور إلى المواجهة العسكرية تحت عنوان منع إيران من امتلاك القدرة النووية العسكرية .
المشهد السابق بكل تداعياته تغير اليوم بصورة دراماتيكية عندما وافقت الإدارة الأمريكية على منح السعودية اتفاقاً يفتح الباب أمام تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي مستقبلاً حتى وإن جرى ذلك تحت إشراف أمريكي أو ضمن ترتيبات تقنية معقدة وهو ما يكشف أن المشكلة الأمريكية لم تكن يوماً في التكنولوجيا النووية نفسها وإنما في الجهة التي تمتلكها ومن يديرها ومن يحدد اتجاه استخدامها ولذلك فإن واشنطن لا تبدو وكأنها كانت تحارب تخصيب اليورانيوم بقدر ما تحارب استقلال القرار النووي خارج منظومتها الاستراتيجية .
القراءة التحليلية المتأنية لبنود الاتفاق الامريكي – السعودي تقود إلى نتيجة أكثر أهمية وهي أن الولايات المتحدة لم تمنح السعودية قنبلة نووية ولن تمنحها ذلك في المستقبل المنظور لكنها اعطتها ما هو أكثر خطورة وأطول أثراً وهو حق بناء قاعدة صناعية وتقنية نووية متكاملة لأن امتلاك المعرفة النووية والبنية التحتية ودورة الوقود هو البداية لصنع الدولة النووية في المستقبل أما السلاح نفسه فلا يعدو أن يكون قراراً سياسياً إذا توافرت القاعدة العلمية والتقنية اللازمة وهذا ما يجعل الاتفاق نقطة تحول استراتيجية تتجاوز كثيراً مجرد إنشاء محطات لإنتاج الكهرباء .
السعودية من جهتها تدرك أن الطاقة النووية تمثل ركناً أساسياً في مشروعها الاقتصادي الكبير وهي تريد تقليل استهلاك النفط محلياً وتحرير كميات أكبر للتصدير كما تسعى إلى تأسيس صناعة متقدمة تعتمد على التعدين والهندسة النووية والبحث العلمي وإنتاج الوقود النووي وتحلية المياه والصناعات الثقيلة وكل ذلك ينسجم مع رؤية المملكة لبناء اقتصاد أقل اعتماداً على النفط وأكثر قدرة على المنافسة في عالم التكنولوجيا المتقدمة ومن هذه الزاوية يبدو البرنامج النووي السعودي مشروعاً تنموياً وعملياً لا يثير اعتراضاً من حيث المبدأ .
عمليا وواقعيا السياسة لا تقرأ بالنوايا وإنما تفهم بالقدرات والبرنامج النووي المدني لا يتحول إلى تهديد لأنه ينتج الكهرباء وإنما لأنه يبني الخبرة ويؤسس البنية التحتية التي قد تسمح مستقبلاً بالانتقال إلى الاستخدام العسكري إذا ما تبدلت البيئة الأمنية أو اختلت موازين الردع وهو ما يفسر حجم القلق الذي اجتاح إسرائيل فور الإعلان عن الاتفاق رغم تأكيدات واشنطن بأن المشروع سيظل سلمياً الى الابد .
منذ سبعينيات القرن الماضي قامت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على مبدأ واضح وهو منع أي دولة في الشرق الأوسط من امتلاك دورة وقود نووي مستقلة ولذلك قصفت مفاعل تموز العراقي عام 1981 ودمرت المنشأة السورية في دير الزور عام 2007 وخاضت حرباً استخباراتية مفتوحة ضد البرنامج النووي الإيراني شملت الاغتيالات والقصف والتخريب والهجمات السيبرانية وممارسة الضغوط السياسية المواصلة على الإدارات الأمريكية المتعاقبة وكل ذلك بهدف الإبقاء على إسرائيل القوة النووية الوحيدة في المنطقة وبما يمنحها تفوقاً استراتيجياً دائماً وردعاً لا ينازعها فيه أحد .
هذه العقيدة المتوارثة تبدو اليوم أمام اختبار غير مسبوق والمفارقة أن من فتح الباب أمام أول برنامج عربي يسمح له نظرياً بالاقتراب من دورة الوقود النووي ليست موسكو ولا بكين وإنما واشنطن نفسها وهذا يعني أن الولايات المتحدة بدأت تعيد ترتيب أولوياتها الاستراتيجية وفق معايير جديدة لم يعد فيها الاحتكار النووي الإسرائيلي هو القيمة العليا الوحيدة وإنما أصبح الحفاظ على النفوذ الأمريكي في الخليج ومواجهة التغلغل الصيني والروسي أكثر أهمية من التشدد التقليدي في قضايا منع الانتشار النووي .
من هنا يمكن فهم أحد أهم دوافع ترامب والولايات المتحدة نفسها تعلم جيداً أن السعودية ليست دولة تبحث عن أي شريك فحسب خاصة وانها تمتلك بدائل حقيقية في الصين وروسيا وكوريا الجنوبية وفرنسا وإذا أصرت واشنطن على رفض المشروع فقد تتجه الرياض ببساطة إلى قوة نووية أخرى وحينها لن تخسر الولايات المتحدة عقوداً بمئات المليارات فقط بل ستفقد أيضاً قدرتها على التأثير في أحد أهم البرامج الاستراتيجية في المنطقة ولذلك فضلت واشنطن مسبقا أن يبقى البرنامج السعودي تحت مظلتها التقنية والسياسية بدلاً من انتقاله إلى منافسيها الدوليين .
خاصة وان أخطر ما يحمله الاتفاق لا يتعلق بالسعودية وحدها بل بما سيليه فإذا أصبح تخصيب اليورانيوم مقبولاً في الرياض فمن الصعب مستقبلاً إقناع دول أخرى في المنطقة بعدم المطالبة بالمعاملة نفسها وعندها قد تجد مصر وتركيا وربما دول أخرى نفسها أمام مبرر سياسي وقانوني للمطالبة بحقوق مماثلة وهو ما يفتح الباب أمام شرق أوسط مختلف تماماً عن ذلك الذي عرفناه طوال العقود الماضية حيث كانت إسرائيل تحتكر القوة النووية بينما يقتصر دور الآخرين على مراقبة هذا الاحتكار والتعايش معه بالإكراه .
في المقابل إن الاتفاق يضع إيران التي تتعرض للعدوان الامريكي بسبب برنامجها النووي أمام معادلة جديدة تجعل من الصعب على واشنطن أن تستمر في مطالبة طهران بالتخلي الكامل عن التخصيب بينما تمنح الرياض حق الاحتفاظ بإمكانية الوصول إليه مستقبلاً لأن ذلك سيمنح القيادة الإيرانية حجة سياسية وقانونية قوية امام العالم لتأكيد بأن القضية لم تكن يوماً قضية تخصيب وإنما قضية اصطفاف سياسي وتحالفات دولية وعداء ودعم مطلق لكيان الاحتلال الاسرائيلي وهو ما سوف يعقد أي مفاوضات نووية مقبلة ويزيد من صعوبة الوصول إلى تفاهمات مقبولة و دائمة .
بعض المحللين والمراقبين يقولون علنا لقد أثبت هذا الاتفاق أن العالم يدخل مرحلة جديدة لم تعد فيها قواعد منع الانتشار النووي مطلقة كما كانت في السابق بل انها أصبحت خاضعة لمعادلات المصالح والنفوذ وموازين القوى وأن الولايات المتحدة نفسها انتقلت من سياسة منع الانتشار إلى سياسة إدارة الانتشار من داخل نفوذها الاستراتيجي وليس خارجه .
بالتدقيق نجد ان الاتفاق النووي السعودي الأمريكي لا ينبغي النظر إليه باعتباره عقداً لبناء مفاعلات أو صفقة تجارية بمليارات الدولارات بل بوصفه إعلاناً عن ولادة شرق أوسط جديد تتغير فيه قواعد الردع وتتراجع تدريجياً عقيدة الاحتكار النووي الإسرائيلي التي حكمت المنطقة لأكثر من نصف قرن وإذا كان التاريخ يسجل عادة لحظات التحول الكبرى بعد سنوات من وقوعها فالأرجح أن هذا الاتفاق سيُذكر مستقبلاً باعتباره اللحظة التي بدأ فيها الشرق الأوسط ينتقل من عصر الاحتكار النووي إلى عصر التوازنات النووية المتعددة حيث لم يعد السؤال من يمتلك التكنولوجيا النووية بل من يمتلك القدرة على توجيهها والتحكم بمسارها وتوظيفها في رسم خرائط النفوذ الجديدة في المنطقة .
لعل أهم ما يجب الانتباه إليه في السياق ذاته أن هذا الاتفاق لا يتعلق بالطاقة النووية وحدها بقدر ما يختص بإعادة هندسة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط فواشنطن لم تمنح الرياض حقاً تقنياً فحسب بل منحتها مكانة استراتيجية جديدة بوصفها شريكاً في رسم توازنات العقود المقبلة ولذلك فإن القراءة الصحيحة للاتفاق يجب ألا تنطلق من عدد المفاعلات أو نسب التخصيب وإنما من التحول في مكانة السعودية داخل منظومة الأمن الإقليمي الضيقة حيث تنتقل من دولة تشتري الأمن إلى دولة تشارك في صناعته ومن شريك اقتصادي كبير إلى قوة علمية وتقنية مرشحة لامتلاك أحد أكثر القطاعات حساسية في العالم وهذا بحد ذاته تحول يتجاوز في أهميته الكثير من الجوانب الاقتصادية أو الصناعية للاتفاق .
المتوقع أن تداعيات هذا الاتفاق لن تتوقف عند حدود السعودية والولايات المتحدة بل ستفتح الباب أمام موجة مطالب إقليمية مماثلة وإذا كانت واشنطن قد قبلت بمنح الرياض حقاً كانت ترفضه لعقود فمن الصعب عليها مستقبلاً أن تبرر رفض الطلب ذاته إذا تقدمت به دول أخرى تلتزم بمعاهدة حظر الانتشار النووي وعندها لن يكون السؤال من يملك برنامجاً نووياً سلمياً بل كيف ستعيد الولايات المتحدة رسم معاييرها التي قامت لعقود على منع التخصيب المحلي ثم أصبحت اليوم أكثر مرونة تحت ضغط الجغرافيا السياسية والتحولات الاقليمية والمنافسة مع الصين وروسيا ومن هنا قد يتحول الاتفاق السعودي إلى سابقة قانونية وسياسية تعيد صياغة قواعد التعاون النووي الأمريكي مع الشرق الأوسط كله.
في تطور مواز وبالغ الدلالة جاء تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليضيف بعداً سياسياً جديداً للاتفاق عندما أعلن أن إبرام الاتفاق النووي المدني مع المملكة العربية السعودية سيبقى مشروطاً اولا وهو الاهم بانضمام الرياض إلى اتفاقيات أبراهام والاعتراف بإسرائيل واشتراط دور حصري للشركات الأمريكية في بناء المفاعلات وإجراء دراسات جدوى دقيقة لتقييم الحاجة للتخصيب تحت إشراف أمريكي وهذا يعني أن واشنطن لم تتخلَّ بالكامل عن فلسفة توظيف التكنولوجيا النووية لخدمة أهدافها الاستراتيجية بل ربطت منح هذا الامتياز النووي بتحقيق مكسب سياسي وأمني بالغ الأهمية لإسرائيل ونفسها وبذلك يتضح أن المرونة الأمريكية في الموافقة على التخصيب لم تكن تحولاً مبدئياً في عقيدة منع الانتشار النووي بقدر ما كانت إعادة توظيف لهذه العقيدة ضمن صفقة جيوسياسية أوسع تستخدم فيها واشنطن البرنامج النووي المدني كأداةً لإعادة رسم التحالفات الإقليمية وربط التقدم العلمي والتقني بحسابات التطبيع وترتيبات الأمن في الشرق الأوسط وهو ما يكشف بوضوح أن الملف النووي لم ينفصل يوماً عن الاعتبارات السياسة والاستراتيجية وإنما تغيرت فقط شروط استخدامه وأدوات وطرق توظيفه.
على جانب اخر من الصورة لم يعد السؤال اليوم ما إذا كانت السعودية ستمتلك برنامجاً نووياً مدنياً أم لا فقد حُسم هذا الأمر سياسياً وإنما السؤال الحقيقي هو كيف ستتعامل بقية دول المنطقة مع هذا التحول وهل سنكون أمام شرق أوسط متعدد القدرات النووية السلمية أم أن المنطقة ستتجه تدريجياً نحو مرحلة جديدة من توازنات الردع والتنافس التكنولوجي والأهم من ذلك أن موافقة واشنطن على هذا الاتفاق لم تأت منفصلة عن حساباتها السياسية وهو ما يكشف اكثر أن التكنولوجيا النووية لم تعد مجرد أداة للتنمية أو إنتاج الطاقة بل أصبحت ورقة جيوسياسية تُستخدم لإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية وربط الامتيازات الاستراتيجية بمشاريع التسوية وإعادة هندسة النظام الإقليمي وفق الرؤية الصهيو امريكية .
ختاماً: إن أخطر ما في هذا الاتفاق ليس ما يسمح به اليوم وإنما السابقة السياسية والاستراتيجية التي يؤسس لها لأن القاعدة التي تُكسر مرة واحدة يصعب إعادتها كما كانت ولأن ما مُنح لدولة تحت اعتبارات المصالح والتحالفات سيصبح من العسير حرمان دول أخرى منه مستقبلاً وتحديدا ايران وهو ما قد يجعل هذا الاتفاق نقطة التحول التي بدأ معها الشرق الأوسط يغادر عصر الاحتكار النووي ويدخل مرحلة جديدة ستظل آثارها تتفاعل بتفسيرات مختلفة لعقود قادمة في شرق اوسط نووي جديد يفصل على مقاس ترامب بانتقائية فجة تفتح فيه أبواب التخصيب للسعودية وتُغلق في وجه إيران حيث اصبحت الرياض استثناءً وطهران هدفً .
*كاتب وباحث فلسطيني مختص في الشؤون السياسية
لماذا فُتح باب التخصيب للسعودية وأُغلق أمام إيران؟
