اليمن الحر الأخباري

سوريا..بين وعود الاستثمار وطلبات الدعم العسكري!

إنصاف سليطين*
بين الوعود بالاستثمارات الاقتصادية وإعادة الإعمار من جهة، والحديث عن طلبات للدعم العسكري من جهة أخرى، يبرز سؤال يتجاوز تفاصيل الأحداث الآنية إلى طبيعة الدور الذي يُراد لسوريا أن تؤديه في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.
بحسب ما نقلته مصادر لموقع «المدن»، فإن البحرين والكويت طلبتا دعماً عسكرياً من سوريا، وأن دمشق وافقت من حيث المبدأ، بانتظار الموافقة الدولية. وإذا كان المقصود بهذا الدعم إرسال قوات أو مقاتلين، وليس تقديم منتج صناعي أو تكنولوجيا عسكرية، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً: ما الذي تستطيع سوريا أن تقدمه عسكرياً اليوم؟
فسوريا، في وضعها الراهن، لا تمتلك قاعدة صناعات عسكرية متقدمة تجعلها مصدراً لمنتجات أو تكنولوجيا عسكرية متطورة يمكن أن تكون محل هذا النوع من الطلبات. وبالتالي، إذا كان المقصود بالدعم العسكري هو القوة البشرية، فإن ذلك يعني عملياً أن ما يُطلب من سوريا هو الاستفادة من الفصائل والقوى المسلحة الموجودة على أراضيها، أو من القوى البشرية التي يمكن تنظيمها وتعبئتها عبرها.
وهنا تبدأ الأسئلة الكبرى.
ما الذي صار إليه دور سوريا في المنطقة؟
هل يُراد لسوريا أن تكون دولة ذات جيش وطني ومؤسسات وطنية ومشروع سياسي واقتصادي مستقل، أم أن تتحول إلى خزان للقوة البشرية والعسكرية، تُستدعى منه الفصائل والمقاتلون كلما احتاجت القوى الإقليمية والدولية إلى قوة على الأرض؟
وهل يرى المجتمع الدولي، وهل يرى مجلس التعاون الخليجي، أن وظيفة سوريا الجديدة يمكن أن تكون تصدير المقاتلين إلى ساحات الصراع، في الوقت الذي يُقال فيه إن المطلوب هو إعادة بناء الدولة السورية واستقرارها؟
ثم هناك سؤال آخر أكثر تعقيداً:
هل ستكون هذه القوة من الفصائل السورية وحدها؟
أم أن سوريا قد تتحول، في ظل هذا الدور، إلى مركز لاستقطاب وتجميع مقاتلين أجانب، يجري تنظيمهم أو تدريبهم أو إعادة توظيفهم، ثم إرسالهم إلى ساحات صراع أخرى؟
وإذا كان الأمر كذلك، فمن يقرر من يدخل إلى سوريا ومن يخرج منها؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية والقانونية عن هؤلاء المقاتلين؟ وهل ستكون سوريا دولة تستضيفهم وتديرهم، أم مجرد محطة عبور وإعادة تصدير للقوة المسلحة إلى ساحات أخرى؟
وهذا يقود إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بالإسلام السياسي.
فوسائل إعلام مموّلة خليجياً دأبت على مهاجمة الإسلام السياسي والتحذير منه، بل وتصويره بوصفه تهديداً للأمن والاستقرار. لكن في المقابل، كانت هناك في مراحل مختلفة مواقف خليجية داعمة لقوى وفصائل ذات خلفيات إسلامية في سوريا، سياسياً وإعلامياً، بل وعسكرياً وفق ما هو معروف عن مسار الصراع السوري.
أليس في ذلك تناقض سياسي واضح؟
وكيف يمكن تفسير هذا التناقض إذا أصبحت الفصائل ذات الخلفيات الإسلامية نفسها، أو فصائل من البيئة السياسية والعقائدية ذاتها، جزءاً من ترتيبات أمنية أو عسكرية في المنطقة؟
هل يصبح الإسلام السياسي خطراً حين يرفع رايته خارج المظلة الأميركية، لكنه يصبح مقبولاً حين يُوظَّف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في خدمة الاستراتيجية الأميركية ومواجهة الخصوم الإقليميين؟
وإذا دخلت هذه الفصائل إلى بلدان خليجية، فما طبيعة الدور الذي ستؤديه؟ ولصالح من ستقاتل؟
هل ستحمي البحرين والكويت وشعوبهما؟
أم ستحمي ما تبقى من القواعد والمنشآت العسكرية الأميركية في المنطقة، بعد ما تعرضت له قواعد ومنشآت عسكرية أميركية من قصف واسع ومدمر خلال التصعيد العسكري الأخير؟
وهل ستكون مهمتها الدفاع عن أمن الدول وشعوبها، أم حماية المصالح العسكرية والاستراتيجية للقوى الدولية الموجودة على أراضيها؟
ثم يأتي السؤال الأهم:
بأمرة من ستكون هذه الفصائل؟
هل ستكون بأمرة الولايات المتحدة؟
أم بأمرة الدول العربية التي قد تستضيفها أو تنقلها؟
أم بأمرة القيادة السورية؟
أم ستبقى متعددة الولاءات والمرجعيات، بحيث تكون لكل فصيل حساباته وارتباطاته ومصادر تمويله؟
وإذا خرجت هذه الفصائل من سوريا إلى ساحات أخرى، ثم شاركت في تغيير موازين القوى داخل بلد ما، فماذا يحدث بعد انتهاء القتال؟
هل ستُطبَّق عليها مقولة «من يحرر يقرر»؟
وهل يعني ذلك أن من يحمل السلاح ويشارك في القتال يصبح صاحب حق في تقرير مستقبل البلد الذي دخل إليه؟
وإذا كان هذا المنطق مقبولاً في حالة، فلماذا يُرفض في حالة أخرى؟
وهنا نصل إلى السؤال الذي يمس السوريين أنفسهم:
ما موقع سنة سوريا من هذه المعادلة؟
هل المطلوب من السوريين، ولا سيما من البيئة التي خرجت منها نسبة كبيرة من الفصائل المسلحة، أن يكونوا شركاء في بناء دولتهم ومستقبلهم، أم أن يتحولوا إلى خزان بشري ومصنع لإنتاج المقاتلين، يُستدعى رجاله عند الحاجة، ويُرسلون للقتال لصالح هذه الدولة أو تلك، ولهذه القوة الإقليمية أو الدولية أو تلك؟
وهل يُطلب من السوريين أن يدفعوا ثمن الحروب التي خاضوها داخل بلادهم، ثم يُطلب منهم بعد ذلك أن يدفعوا ثمن حروب الآخرين خارجها؟
وهنا تبرز المفارقة الأكبر.
فمن جهة، تُطرح أمام سوريا وعود بالاستثمارات وإعادة الإعمار، ويُقال إن البلاد مقبلة على مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي، وإنها يمكن أن تصبح جزءاً من مشاريع إقليمية في التجارة والطاقة والبنية التحتية وإعادة الإعمار.
ومن جهة أخرى، تظهر طلبات تتعلق بالدعم العسكري، ويُثار الحديث عن إمكانية الاستفادة من القوة البشرية والفصائل الموجودة في سوريا في صراعات وملفات أمنية خارج حدودها.
فبين الوعود بالاستثمار الاقتصادي وطلبات الدعم العسكري، أين يقع الدور الذي يُراد لسوريا أن تؤديه في رؤية المجتمع الدولي لمستقبل المنطقة؟
هل يُراد لسوريا أن تكون دولة مستقرة تستقبل الاستثمارات، وتعيد بناء اقتصادها، وتتحول إلى سوق لإعادة الإعمار وممراً للتجارة والطاقة؟
أم يُراد لها، في الوقت نفسه، أن تكون قوة عسكرية تُستخدم في إدارة صراعات المنطقة؟
هل نحن أمام مشروع حقيقي لبناء دولة سورية مستقلة، اقتصادياً وسياسياً ومؤسساتياً، أم أمام تقسيم للأدوار: أموال واستثمارات لإعادة بناء الاقتصاد من جهة، وقوة بشرية وعسكرية سورية لإدارة الملفات الأمنية والعسكرية من جهة أخرى؟
وإذا كانت الاستثمارات تُقدَّم لسوريا في إطار دور اقتصادي مستقبلي، وكانت الفصائل السورية تُطلب لتأدية أدوار عسكرية خارج الحدود، فما الذي تريده القوى الدولية والإقليمية من سوريا بالضبط؟
هل تريد سوريا دولة قوية ومستقلة قادرة على اتخاذ قرارها الوطني، أم دولة تؤدي وظيفة محددة داخل النظام الإقليمي الجديد: اقتصادياً بوصفها ساحة للاستثمار وإعادة الإعمار، وأمنياً بوصفها مصدراً للقوة البشرية؟
وهل يمكن أن تكون هذه هي المعادلة الجديدة: الاستثمار مقابل الاستقرار، والقوة البشرية مقابل النفوذ؟
وإذا كان الأمر كذلك، فأين يقع السوريون أنفسهم في هذه المعادلة؟
هل تُبنى سوريا من أجل السوريين أولاً، أم يجري تصميم دورها وفق حاجات القوى الإقليمية والدولية ومصالحها في المنطقة؟
لقد خرجت سوريا من حرب طويلة، وقيل إن المرحلة الجديدة ستفتح الطريق أمام بناء دولة جديدة، وإنهاء زمن الفصائل والانقسامات، وإعادة بناء المؤسسات.
لكن إذا كان مستقبل سوريا سيقوم على إعادة تدوير الفصائل المسلحة وتصديرها إلى ساحات صراع جديدة، وفق خرائط المصالح الإقليمية والدولية، فإن السؤال يصبح مشروعاً:
هل نحن أمام بناء دولة سورية بالفعل، أم أمام إعادة تعريف سوريا كوظيفة؟
هل يجري بناء جيش وطني سوري تكون مهمته حماية سوريا وحدودها وشعبها، أم يجري بناء نموذج آخر تكون فيه سوريا خزاناً للقوة البشرية العسكرية، تُستخدم فصائلها في لبنان حيناً، وفي الخليج حيناً آخر، وفي ساحات أخرى كلما اقتضت الحاجة؟
هذه ليست أسئلة عن البحرين والكويت وحدهما، ولا عن لبنان وحده.
إنها أسئلة عن الدور الذي يُراد لسوريا أن تلعبه في النظام الإقليمي الذي يعاد تشكيله، وعن مستقبل الدولة السورية، وعن مصير الفصائل المسلحة، وعن موقع السوريين أنفسهم في هذا النظام.
فبين سوريا التي يُقال إنها ستُبنى بالاستثمارات، وسوريا التي يُطلب منها تقديم القوة العسكرية والبشرية، يبقى السؤال الأهم:
هل يُعاد بناء سوريا كدولة، أم يُعاد تعريفها كوظيفة؟
*كاتبة وإعلامية سورية

Exit mobile version