اليمن الحر الأخباري

هل يغيّر «سجيل» ميزان الحرب… أم يغيّر معادلة الاستنزاف؟

 

زياد فرحان المجالي*
لا تُقاس قيمة الصواريخ الباليستية الحديثة بمدى وصولها إلى الهدف فحسب، بل بقدرتها على تقليص زمن رد الفعل لدى الخصم، وفرض معادلات جديدة على منظومات الإنذار والدفاع. ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى إعلان إيران إدخال صاروخ «سجيل» إلى الاستخدام العملياتي باعتباره مجرد إضافة رقمية إلى ترسانتها الصاروخية، بل بوصفه تطورًا يعكس انتقالًا في فلسفة الردع الإيرانية نحو أسلحة أكثر جاهزية وسرعة ومرونة.
فالصاروخ لا يمثل تحولًا لأنه الأطول مدى أو الأشد تدميرًا، وإنما لأنه يعمل بالوقود الصلب، وهي ميزة تمنحه أفضلية عملياتية مقارنة بالأجيال الإيرانية الأقدم التي تعتمد على الوقود السائل. فهذه الصواريخ تحتاج عادة إلى وقت أطول للتجهيز قبل الإطلاق، ما يزيد فرص رصدها واستهدافها بضربات استباقية، بينما يستطيع الصاروخ العامل بالوقود الصلب البقاء جاهزًا لفترات أطول، والانطلاق خلال وقت قصير من منصات متحركة يصعب تعقبها.
ومن هنا، تتجاوز أهمية «سجيل» مواصفاته التقنية إلى تأثيره المباشر في حسابات الحرب. فكل دقيقة تُختصر في مرحلة الإعداد تعني تضييق نافذة الإنذار أمام الخصم، وزيادة صعوبة تنفيذ عمليات «صيد المنصات» قبل إطلاق الصواريخ. كما أن القدرة على تحريك المنصات وإخفائها داخل منشآت محصنة أو مناطق واسعة تمنح إيران هامشًا أكبر للمناورة والمفاجأة.
لكن ذلك لا يعني أن «سجيل» يمثل سلاحًا خارقًا قادرًا بمفرده على قلب موازين القوى. فالحروب الحديثة لا تُحسم بصاروخ واحد، مهما بلغت سرعته أو دقته، وإنما بقدرة كل طرف على دمج أسلحته ضمن منظومة عمليات متكاملة. ولذلك، تظهر القيمة الحقيقية للصاروخ عندما يُستخدم ضمن هجمات مركبة تشمل صواريخ باليستية مختلفة، وصواريخ جوالة، وطائرات مسيرة، وربما وسائل خداع إلكتروني وأهدافًا وهمية، بهدف إنهاك شبكة الدفاع الجوي وإجبارها على التعامل مع تهديدات متزامنة ومتنوعة.
وفي المقابل، لم تُصمم إسرائيل دفاعاتها لمواجهة نوع واحد من الصواريخ، بل بنت خلال عقود شبكة متعددة الطبقات. وتتصدر هذه الشبكة منظومة «حيتس 3» المخصصة لاعتراض الصواريخ الباليستية خارج الغلاف الجوي، إلى جانب «حيتس 2» التي توفر طبقة اعتراض إضافية على ارتفاعات أدنى، فضلًا عن منظومات الرادار والإنذار المبكر التي تعمل بالتكامل مع القدرات الفضائية والاستخباراتية الأمريكية.
ومن الناحية التقنية، يندرج «سجيل» ضمن فئة الأهداف التي طُورت منظومة «حيتس» لمواجهتها. إلا أن نجاح الاعتراض لا يعتمد على الصاروخ الاعتراضي وحده، بل على سلسلة مترابطة تبدأ باكتشاف الإطلاق، ثم تصنيف التهديد وحساب مساره، وتقدير الهدف المتوقع، وصولًا إلى اتخاذ قرار الاشتباك وإطلاق الصاروخ الاعتراضي في التوقيت المناسب.
وأي خلل في إحدى حلقات هذه السلسلة قد يقلل فرص النجاح، خصوصًا في حال تعرض المنظومة لرشقات كثيفة ومتزامنة. فالدفاعات الصاروخية قد تكون شديدة التطور، لكنها تعمل ضمن حدود تتعلق بعدد منصات الإطلاق، ومخزون الصواريخ الاعتراضية، وسرعة معالجة البيانات، وقدرتها على التمييز بين الرؤوس الحقيقية والأهداف الخداعية.
لهذا، فإن التحدي الأهم لا يكمن في قدرة «سجيل» منفردًا على الإفلات من الاعتراض، ولا في قدرة «حيتس» على إسقاطه في مواجهة محدودة، بل في معركة الاستنزاف التي قد تنشأ بين الطرفين. فكلما ازداد عدد الصواريخ المطلقة وتنوعت وسائل الهجوم، ارتفعت كلفة الدفاع، واضطرت إسرائيل إلى استهلاك مزيد من الصواريخ الاعتراضية الباهظة، حتى لو نجحت في إسقاط نسبة كبيرة من المقذوفات.
كما أن الحديث عن سرعات فرط صوتية أو دقة إصابة استثنائية ينبغي أن يُقرأ بحذر، لأن كثيرًا من هذه الأرقام يستند إلى بيانات صادرة عن الجهات المطورة للسلاح، بينما يبقى الأداء الحقيقي في ظروف الحرب رهينًا بعوامل عديدة، منها التشويش الإلكتروني، وكفاءة أنظمة التوجيه، وطبيعة المسار، والظروف العملياتية، وقدرات الدفاع المقابلة.
وقد أظهرت جولات المواجهة الصاروخية المباشرة بين إيران وإسرائيل منذ عام 2024 أن منظومات الدفاع الإسرائيلية قادرة على اعتراض أعداد كبيرة من الصواريخ الباليستية، لكنها لم تحقق حصانة مطلقة، إذ تمكنت بعض المقذوفات من تجاوز الدفاعات والوصول إلى مواقع داخل إسرائيل. وهذا يؤكد أن الدفاع الصاروخي، مهما بلغ تطوره، يستطيع تقليص الخسائر، لكنه لا يستطيع إلغاء الخطر بالكامل.
في المحصلة، لا يغيّر «سجيل» ميزان الحرب لأنه صاروخ منفرد أكثر سرعة أو مدى، بل لأنه يمنح إيران قدرة أكبر على الإطلاق السريع والمفاجئ، ويزيد تعقيد مهمة الدفاع الجوي، ويرفع كلفة الاعتراض. وفي المقابل، تظل «حيتس» واحدة من أبرز منظومات الدفاع الباليستي المتخصصة، لكنها لا تضمن إغلاق السماء الإسرائيلية أمام كل هجوم واسع ومتعدد المحاور.
وهكذا، لا تقوم المعادلة الجديدة على تفوق مطلق لهذا الطرف أو ذاك، بل على سباق متواصل بين تطوير وسائل الهجوم وتحديث وسائل الدفاع، حيث يصبح عامل الزمن، وسرعة القرار، وحجم المخزون، والقدرة على تحمل الاستنزاف، عناصر لا تقل أهمية عن الصاروخ نفسه.
وفي هذا السياق، يبدو أن «سجيل» لا يعلن نهاية عصر الدفاع الصاروخي، بقدر ما يعلن بداية مرحلة أكثر تعقيدًا في الصراع، عنوانها: كل تطور هجومي يقابله تطور دفاعي، لكن كلفة حماية السماء ترتفع مع كل جولة جديدة.
*كاتب اردني

Exit mobile version