اليمن الحر الأخباري

الضربة على دمياط مصر.. من المستفيد؟

د. ميساء المصري*
في علم السياسة ، لا يكون الحدث العسكري أخطر ما في الحروب ، بل الرواية التي تُبنى حوله. فالرصاصة قد تصيب هدفًا واحدًا، أما السردية فتستطيع إعادة تشكيل الإقليم بأكمله. ومن هنا، فإن الحريق الذي اندلع في ميناء دمياط، وسط تقارير إعلامية تحدثت عن احتمال استهداف ناقلة غاز بطائرة مسيّرة، يتجاوز كونه حادثًا أمنيًا، إذ يفتح الباب أمام أسئلة استراتيجية تتعلق بمسار الصراع الإقليمي واتجاهاته.
حتى الآن، السلطات المصرية لم تعلن رسميًا أن الحريق نجم عن هجوم بطائرة مسيّرة، كما لم تحدد الجهة المسؤولة. هذا التباين بين التقارير الإعلامية والموقف الرسمي يجعل تداول فرضية الاستهداف يفرض قراءة أوسع تتجاوز التفاصيل التقنية للحادث.
لنبدأ التحليل من امتناع مصر عن كشف جميع أوراقها كجزء من إدارة استراتيجية تهدف إلى الحفاظ على هامش واسع للمناورة الإقليمية.
مصر تعتمد على واردات الغاز الطبيعي المسال عبر موانئ مثل دمياط والعين السخنة، حيث يعاد تغويزه بواسطة وحدات وسفن متخصصة، إلى جانب واردات غاز من مصادر متعددة، منها إسرائيل.
وإذا افترضنا تعرض سفن إعادة التغويز لهجمات، فإن المنطق يطرح تساؤلًا حول سبب عدم استهداف مرافق أخرى أكثر أهمية ، مثل منشآت العين السخنة. وفي هذا الإطار، فإن أي استهداف لهذه البنية التحتية قد يُنظر إليه باعتباره تهديدًا مباشرًا للأمن الطاقوي المصري، بما يحمله من تداعيات استراتيجية على أمن الإمدادات واستقرار قطاع الطاقة.
و وفق هذا الطرح، قد تكون إسرائيل المستفيد الأكبر فنيًا إذا أدى أي اضطراب في البنية التحتية المصرية إلى زيادة اعتماد القاهرة على واردات الغاز الإسرائيلي. أما جيوسياسيًا، فقد يفتح ذلك المجال أمام ضغوط أو ترتيبات إقليمية تدفع نحو مزيد من التصعيد و محاولات لجرّ مصر إلى الانخراط في صراعات تتجاوز مصالحها المباشرة.
و إذا افترضنا فعلا أن إيران تقف خلف الضربة، فإن الهدف قد لا يكون عسكريًا بقدر ما هو توجيه رسالة ردع وأدراك استراتيجية إلى جميع الأطراف المنخرطة في المشهد الإقليمي، رغم ان مصر تقف بصورة غير مباشرة ضمن هذا الصراع المباشر في هذه المرحلة.
كما يمكن تفسيرها بأنها رسالة ضغط موجهة إلى القوى الغربية، ولا سيما فرنسا ودول أوروبا، للتحذير من أي دور قد يسهم في توسيع نطاق المواجهة، خصوصًا في الملفات البحرية.
وهنالك فرضية احتمال امتلاك طهران معطيات استخباراتية عن أدوار مصرية غير مباشرة في بعض الساحات الإقليمية ، مثل وجود حظائر طائرات في بعض دول الخليج . لذلك يبقى السيناريو الأقرب أن الضربة، إن صحت هذه الفرضية، تستهدف إعادة رسم قواعد الردع وإرسال رسائل سياسية متعددة أكثر من كونها مقدمة لمواجهة مباشرة مع القاهرة.
و قد تتجاوز الخصوم المباشرين، وتهدف إلى رفع كلفة أي تحرك أمريكي أو غربي قد يقود إلى اتساع رقعة الصراع. وفي المقابل، فإن فتح مسار تصعيد يمس مصر ينطوي على مخاطر سياسية وعسكرية كبيرة، إذ قد يمنح القاهرة مبررات لإعادة تموضعها الإقليمي بصورة أكثر حدة وربما قد تستخدم جيشها على أراض أخرى.
الأوضاع الآن تقف على حافة احتمالات مفتوحة، وأي تطور جديد قد يغير مسار الأحداث. فكيف ستتعامل مصر سياسيًا واستراتيجيًا إذا تأكدت أن الضربات جاءت من إسرائيل، أو حتى من إيران؟
وهنا تبرز أهمية ملفات غزة والضفة الغربية والمعابر، باعتبارها جزءًا من المشهد الأوسع. فهل نحن أمام عملية علم مزيف أو راية كاذبة؟ أم أن هناك تقاربًا إيرانيًا مصريًا تحاول إسرائيل عرقلته؟ أم أن الهدف هو توجيه العداء والاصطفاف الإقليمي نحو إيران؟ خاصة مع عملية شراء الوقت حيث تقترب الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية، و يبقى عامل الوقت حاضرًا، حيث قد يسعى البعض إلى إطالة أمد التصعيد بما يخدم مصالحه السياسية.
و بينما قد تسعى مصر إلى ضبط الموقف وفق حساباتها، فإن ضغط الرأي العام قد يدفع باتجاه ردود فعل أكبر حول مدى جاهزية منظومات الدفاع المصرية ورد الضربات إذا ثبت أن الهجمات كانت بطائرات مسيرة.
اذن الواضح ان الفرضية الأهم ، ان تُطرح إسرائيل باعتبارها المستفيد الأول من اتساع دائرة الصراع، عبر دفع المنطقة من شرقها إلى غربها نحو مزيد من التوتر، خصوصًا مع تحركات نتنياهو باتجاه ترامب لتعزيز مسار التصعيد.
حيث امتدت تداعيات المواجهة لتشمل العراق والسعودية ومصر واليمن، مع دخول ما يقارب 13 دولة عربية في هذا الصراع، ما يطرح تساؤلات جوهرية لصالح من يجري ذلك؟ وإلى أين يصل حجم التوريط؟ ولماذا هذا المستوى من الغفلة السياسية؟
ان محاولات توريط الدول العربية وجرّها إلى مسار الصراع، هو تطور يحمل أبعادًا استراتيجية خطيرة. ويطرح تساؤلات حول إمكانية تشكل تحالف إقليمي جديد يضم أطرافًا سنية وإسرائيل، وما قد ينتج عنه من تصعيد أوسع في المنطقة. كما أن أي تصعيد من جانب الحوثيين، مثل إغلاق باب المندب أو فرض قيود على الملاحة، قد يتحول إلى أزمة عالمية تمس حركة التجارة والطاقة.
ان تصريحات ترامب حول التحقيق في الأمر واحتمال وقوف إيران خلفه تثير بدورها تساؤلات حول طبيعة الرسائل السياسية المتناقضة. وفي النهاية يبقى العالم العربي، والخليج العربي خصوصًا، الطرف الأكثر تعرضًا لتبعات هذا المسار. أما تركيا، فمن الوارد أن تواجه سيناريو مشابهًا عبر استهداف منشأة نفطية أو موقع استراتيجي بهدف دفعها إلى مواجهة، رغم حذرها السابق في التعامل مع هذه الأزمات.
ان الإقليم يعيش مرحلة صراع دولي واسع أقرب الى حرب عالمية تتغير فيها المسميات والأدوات، لكنها تحمل ملامح مواجهة كبرى تشمل قوى مثل الدول العربية والصين وروسيا وأوكرانيا وإيران وإسرائيل والولايات المتحدة وباكستان، إضافة إلى أطراف أخرى بصورة غير مباشرة، مع انخراط نحو 15 دولة بشكل مباشر. وقد تصبح الحرب البرية عنوان المرحلة المقبلة، باعتبارها الأداة الأكثر تأثيرًا في إعادة تشكيل موازين القوى.
وفي هذا السياق، لا تنظر إيران إلى بعض الدول العربية كخصوم استراتيجيين مستقلين، بل كجزء من شبكة جغرافية وأمنية مترابطة. وتشمل هذه الحسابات الحدود مع إسرائيل، والعمق اللوجستي الأمريكي، والامتداد الأمني عبر العراق ولبنان وسوريا والأردن، إضافة إلى البوابة البرية باتجاه الخليج.
أي ضغط على هذه العقدة الإقليمية قد يؤدي إلى ارتدادات واسعة، في وقت تعمل فيه إسرائيل، عبر أدواتها الإعلامية والسياسية، على دفع الولايات المتحدة نحو مزيد من التصعيد. فهل ستختار واشنطن الرد المباشر؟ أم تكتفي بالدعم الاستخباري؟ أم تدفع إسرائيل للقيام بالرد؟ أم تسعى إلى توريط العرب؟ إن طبيعة الخيار الأمريكي ستكشف حدود النفوذ والقدرة على إدارة الصراعات في المنطقة.
إن استمرار الحرب لستة أشهر دون ضغط حقيقي لإنهائها أو احتوائها هو ما أوصل المنطقة إلى هذه المرحلة، و تتزايد محاولات إعادة ترتيب المشهد السياسي، بما فيها مسارات التطبيع، لتبقى الشعوب هي الطرف الذي يتحمل كلفة صراعات تُدار لحسابات سياسية ضيقة…
*كاتبة سياسية اردنية

Exit mobile version