د. لينا الطبال*
في لبنان، مقاومة واحدة يعترف بها اليمين اللبناني، أتعرف ما هي؟!
مقاومته للمقاومة…
إنها المقاومة الوحيدة التي لا تزعجه، ولا تكلّفه دمًا، ولا تطلب منه الذهاب إلى الجنوب.
لكن ماذا عن إسرائيل؟
أمّا إسرائيل… فيخاطبها بمنتهى الرقة… يهمس لها… يخشى أن يزعجها، المسكينة، وهي تقصف القرى.
لا يقول: العدو… الكلمة فظة أكثر مما ينبغي، يقول: “الطرف الآخر”….
وماذا عن طائراتها؟ طائراتها الهابطة بالجحيم… طائراتها لا تقصف. كلا! هذا “تصعيد”… عبارة صلعاء، بلا محرّكات ولا صواريخ ولا أشلاء.
واحتلالها؟ هو “إشكالية حدودية”…
اما تدمير القرى، ومسحها عن وجه الأرض؟ فهذه “تداعيات المواجهة”. التداعيات وحدها فعلت ذلك، بالطبع. لا طيار، لا قنبلة، لا قاتل.
لكن ينتهي درس اللياقة هذا كليًا عندما يتم الحديث عن المقاومة؛ يصرخ: أين الدولة؟
الدولة لا تظهر في مخيلته إلا حين يلمح بندقية المقاوم! فجأة يتذكرها! أما البندقية الإسرائيلية؟ فهي مسألة معقدة، تتطلب الكثير من القهوة، والصبر، والمفاوضات، وطأطأة الرأس!
هذا اليمين البائس يحب وطنه… نعم، لكنه حبٌّ مخبول ومخصي!
يريد دولة ذليلة أمام الحدود! يريد جيشًا ينظر إلى الدبابة الإسرائيلية وهي تجتاح الأرض…
عليك أن تتجرد من سلاحك لتنال رضا العدو، منطق في غاية البساطة… لكنه يحتاج إلى جبل من السفالة، ومئة كلغ من الوقاحة الخالصة!
لكن ليس كل من ينتقد المقاومة خائنًا… المقاومة ليست قديسة وليست فوق النقد، ولا فوق المحاسبة، ولا فوق الوطن… ثمة من ينتقد المقاومة لأنه يريدها أصلب، أكثر حكمة، أكثر التصاقًا به ربما، وأكثر قدرة على تمثيله..
أن تسأل: “كيف نحمي الدار معًا؟”… هذا عقل.
لكن أن تصرخ: “ارموا السلاح وانتظروا رحمة إسرائيل!”… فهذا هو الجنون الخالص!
انتظار حسن نية إسرائيل هو مهنة قديمة في المنطقة. كم من المغفلين لعبوها قبلنا؟ الفلسطينيون جربوا هذا الوهم في “أوسلو”… وماذا حصدوا؟ مستوطنات جديدة تأكل عظامهم!
العرب قدموا مبادراتهم اللطيفة… فماذا قبضوا؟ خرائط جديدة للابتلاع!
واليوم، يأتي الدور علينا في لبنان… سلطة ساذجة، هل تظن حقا ان إسرائيل ستتحول فجأة إلى حمل وديع يوزع الورود! يا لغبائها… يا للخراب!
في عرف اليمين اللبناني إن المقاومة جرّت لبنان إلى الحرب… هل كانت المقاومة موجودة قبل الاحتلال، أو أن الاحتلال هو الذي أوجد المقاومة؟ هذا سؤال لا يحبه اليمين، لأن الإجابة تفسد عليه الحكاية.
في حكايته، ظهرت المقاومة ذات صباح من دون سبب، حملت السلاح، وأزعجت جارة مسالمة اسمها إسرائيل.
قلت لك قبلاً يا صديقي… إننا قد نختلف مع المقاومة في خياراتها السياسية وفي أشكال إدارتها للدولة أو في تحالفاتها… يمكن نقد أداء المقاومة السياسي ومطالبتها ببنية أكثر علمانية واستيعابًا للتنوع الوطني، لكن أحدًا لا يستطيع إنكار الواقع: هذا السلاح القادر على الردع هو الذي فرض على إسرائيل الانسحاب وكسر معادلة تفوقها… وهو أكثر ما يزعج هذا اليمين…
أية مهزلة هذه؟ يراهنون على “حسن سلوك” نتنياهو!
نتنياهو سيتصرف كرجل صالح… هل جُننتم؟ الشيء الوحيد الذي تنحني له اسرائيل هنا هو القوة، والقوة فقط!
في عتمة هذه الأجواء اللبنانية، يولد تحالف المصالح الباطل بين سلطة رأس المال والخطاب الطائفي وصوت المأجورين… يا لها من قذارة.
انظر الى هذا:
المصرفي، يشتكي من الخسائر الاقتصادية للحرب رغم تسببه في انهيار أموال الناس.
السياسي، ينادي بالدولة المؤسساتية رغم دوره في محاصصتها وتفكيكها.
الطائفي، ينادي بالوحدة الوطنية رغم عيشه على الانقسام المذهبي.
الإعلامي المأجور—الذي يتحرك بريموت كونترول من مموليه—يغرد حول السلام!
وجميعهم، يلتفتون إلى المقاوم الذي يصدّ الحديد بالحديد، ويطلبون منه كشف حساب!
تريدون فتح الحساب إذاََ… حسناً لنفتح الدفاتر.
لنفتح الحساب الآن…
حساب المقاومة، وحساب المصارف، وحساب الأحزاب، وحساب الذين حكموا لبنان، وحساب الذين زاروا واشنطن وحفظوا عبارات عن السلام والسيادة والإصلاح.
لكن لنبدأ أيضا بحساب صغير:
كم قرية حررها أصحاب المصارف؟
كم دبابة أوقفها نجوم الاعلام؟
وكم أسيرا أعاده إلى بيته أولئك الذين يتحدثون يوميأ عن الواقعية؟
بالفعل… ما أقبحكم وأنتم تراهنون على نبل الدبابة، وورود الطيار، وحنان اسرائيل!
راهنوا كما تشاؤون… اهرعوا إلى سفاراتكم، ووقعوا اتفاقياتكم، وارتدوا أفضل ما لديكم من ملابس ونظارات شمسية وأنتم تصافحون العدو… اهمسوا لـ “تل أبيب” بالسرّ والعلن أنكم على خطى الهوان، خطى الضعف وطأطأة الرأس!
فاوضوا على كرامتكم، وادعوا نتنياهو إلى موائدكم…
ادعوهم وارفعوا أنخاب السلام مع من يقتلع عيون أطفالكم!
افتحوا دكاكينكم لبيع السيادة، وطبّعوا مع المحتل… ربما تربت إسرائيل على أكتافكم بلطف.
لكن تاريخ هذه الأرض يكتبه سلاح الكرامة… اقرؤوه جيدًا، واعلموا ما لا يفهمه من اعتاد أن يبيع ويشتري:
قد لا تكون المقاومة مقدسة… لكن مقاومة الاحتلال هو حق مقدس.
*كاتبة واكاديمية و باحثة – لبنان
لبنان: 100كلغ من الوقاحة الخالصة!
