د. ادريس هاني*
أهدر العرب آخر الفرص الجديرة بإخراجهم من أزمتهم، بل لطالما اجتهدوا قدر حماقتهم لتقويضها. لم يعد لديهم موعد يذكر مع التاريخ بعد أن برهنوا على عدم اكتراثهم بمصيرهم وسيادتهم. إنهم يدفعون فاتورة عهد فاوست اللعين، فهم إما هاربون أو غادرون أو منتحرون، لكنهم أوفياء لعهد التبعية.
عن المستقبل العربي الملبد بغيوم الهزائم نتحدث، ومن مصير العرب المدنس بالتبعية والاستبداد نتأوه، ومن خطابهم المفعم بالهرطقة والأحقاد نئن ، فما هو المخرج الممكن؟ وهل هناك استعداد وقابلية للبحث عن مخرج بديل عن التبعية؟!
ما عاد العقل العربي قادرا حتى على قراءة المشهد خارج مدارك الغباء، ولا هو قادر على التخاطب حول الأزمة دون رطانة وشقاق. تكمن المفارقة أيضا في غياب الجدية وشيوع الهزل. إننا أمة فاقدة للجدية في النظر وللإخلاص في العمل، فلا تبحثوا عن الدجال خارج عرصاتكم، فأنتم الدجال بجسمه ولحمه.
لقد خربوا بيوتهم بأيديهم، ومكنوا للعدو في ديارهم، وخلطوا الأوراق حتى تعذرت اللعبة عليهم وعلى الأجيال القادمة كالأعشى من فرط العماء. وكان حينئذ من الصعوبة بمكان أن ينموا مشروع انبعاث عربي حقيقي، لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية. لا شيء في ظل تواطؤ الحصار الإمبريالي والعجز الرجعي وسعار التبعية، يمكنه أن ينموا نموا طبيعيا.
وما سميناه سابقا بمفارقة وايزمان، هي جد لا هزل فيه، وهي مدخل حقيقي لاستيعاب الأنماط الجديدة لاحتواء الغضب العربي، استيقنتها نفوس متحرقة وذهل عنها قطيع عريض أتباع كل ناعق. لا يمكن رصد إيقاع مكر التاريخ بالاورغانون الأرسطي، وذلك لسبب بسيط، هو أن جريان مكره يتم خارج هذا المنطق. ويتعين على القاريء في الحكاية أن يلتقط الحقيقة في صلب المجاز، والمعنى بين فصول السرديات والحقيقة في مخرجات الجدل. فلا شيء هنا قابل للقراءة بأحكام قيمة مسبقة، ولا بمغالطة التحشيد والتعميم.
لقد تخلى العرب عن فضيلة النظر، وهي الصورة الوحيدة للقردة الثلاثة التي ألزم بها نفسه، لأنهم مذ تحولوا إلى ظاهرة صوتية وهم: يتكلمون فقط(يقولون ما لا يفعلون) و يسمعون فقط(سماعون لهم)، ومن هنا فقدان البصيرة!
لا بد من جلد العقل العربي في هذا المنعطف التاريخي الحرج، ولا بد من تحميله مسؤولية استئناف النظر على قواعد النهوض بالواقع العربي. فلقد غرق العرب داخل رمال متحركة، أوقعوا فيها أنفسهم حد الركبة.
ما يحدث اليوم هو نتيجة مسلسل من العلل الموضوعية، منذ تذاكى العرب يوما، واختاروا منطق التسويات في أفق التبعية والانتهازية. لقد سقطت خياراتهم السياسية والاجتماعية وهم مهددون بالانقراض كالعرب البائدة. إنهم أشقياء متواهمون فوق جغرافيا ملغومة، وهي على وشك الخسف!
مرة أخرى لا نحتاج أن نذكر بأننا واقعون على مناخيرنا في مفارقة تساوي الأدلة، وهذا ما يسمح به واقع اللغو العربي، وفقدان فضيلة الاعتراف، فأين المفر!
*كاتب مغربي
يا عرب… لا تضحكوا على أنفسكم!
