اليمن الحر الأخباري

سبتة… حين عَبَرَ الوطنُ إلى ثَغْره!

عبد الحميد البجوقي*
“لم يكن الذين ركضوا نحو سبتة وحدهم من يَعبُرون، كان الوطن نفسه يبدو كأنه يركض معهم، مُثقلاً بأسئلته وعاجزًا عن اللحاق بأبنائه..”
في النهاية، لن يتذكر البحر عدد الذين عبروا..
لن يحفظ الأرقام التي تناقلتها الشاشات، ولا البيانات التي تنازعت حولها الحكومات، ولا البلاغات التي صيغت بعناية كي تُخفي أكثر مما تقول.
البحر لا يعرف أن أكثر من ستين ألف إنسان مروا من هنا، ولا أنه ابتلع أكثر من مائة جسد، بعضهم غرق وهو يحاول النجاة، وبعضهم سقط تحت أقدام الهاربين، وبعضهم مات قبل أن يعرف إن كان قد وصل أم لا.
البحر لا يُحصِي..
فقط الأمهات يفعلن ذلك.
كانت أم ياسين تعرف أن ابنها لا يُجيد السباحة.
حين كان طفلاً، كان يخاف حتى من الاقتراب من الوادي الصغير قرب القرية، كان يتشبث بثوبها كلما ارتفع منسوب الماء في الشتاء. كانت تضحك وتقول له:
“الرجل لا يخاف من الماء.”
كبر ياسين، ولم يعد يخاف من البحر.
صار يخاف من اليابسة.
يخاف من صباح يشبه مساء الأمس، من شهادة مُعلقة على الجدار، من أب يشيخ وهو يكرر الوعد نفسه، “غداً تتحسن الأمور”
يخافُ من مدينة تحفظ أسماء المقاهي أكثر مما تحفظ أسماء المصانع، من سنوات تمضي دون أن يحدث شيء، سوى أن الأصدقاء يختفون واحداً بعد آخر، لا لأن جميعهم ماتوا، بل لأنهم عبروا.
وحين يُصبح الغد نسخة رديئة من الأمس، يُصبح البحر أقل رُعباً من الوطن.
في الضفة الأخرى، كان الشرطي الإسباني يركض بين الحشود.
لم يكن يرى “مهاجرين”.
كان يرى أطفالاً يصرخون، ونساء يبحثن عن أبنائهن، وشباناً ترتجف أجسادهم من البرد والخوف والإرهاق.
تذكر ابنه، الذي يكبر كل يوم في مدينة آمنة، ويشتكي لأن شبكة الإنترنت بطيئة.
فَكَّر أنطونيو للحظة أن الحياة تُوزِّع المخاوف بعدل غريب، هناك من يخاف انقطاع الكهرباء، وهناك من يخاف ألا يصل إلى الشاطئ حياً.
في مدن المملكة، كان الصمت أثقل من الكلمات.
أيام طويلة، والناس يسألون.
كيف حدث كل هذا؟
من فتح الطريق؟
من أغلقها؟
ولماذا؟
ثم جاء تصريح يتيم، بارد، مُرتب، يحاول أن يبدو مُطَمئِناً، لكنه بدا وكأنه يشرح الموج للغرقى.
كان الناس ينتظرون شيئاً آخر.
ليس بالضرورة اعترافاً.
ولا اعتذاراً.
بل صوتاً يُشْعِرَهم أن الدولة ترى الإنسان قبل أن ترى الحدود.
في مدريد، كان السياسيون يتجادلون.
اليمين يتحدث عن الأمن.
اليسار يتحدث عن الحقوق.
أوروبا تتحدث عن الحدود.
الخبراء يتحدثون عن الأرقام.
ووسائل الإعلام تبحث عن الصورة الأكثر إثارة.
لكن أحداً لم يسأل الطفل الذي نام على الإسفلت بعد أن خرج من الماء:
عن ماذا كنت تبحث؟
ربما لو أجاب، لقال شيئاً بسيطاً للغاية:
“كنت أبحث عن حياة.”
في الليل، كانت الجُثث أكثر هدوءاً من الأحياء.
البحر يُعيد بعضها.
ويحتفظ ببعضها الآخر.
والأمهات يُفتشن في الصور، وفي الفيديوهات، وفي قوائم الناجين، وفي المستشفيات، وفي المخافر، وكأنهن يبحثن عن جزء من القلب ضاع في الماء.
إحداهن كانت تتمنى أن يكون ابنها بين المعتقلين.
السجن، في تلك اللحظة، كان خبراً سعيداً.
هناك خطأ كبير نرتكبه كل مرة.
نختزل المأساة في السياسة.
ونسأل: من المسؤول؟
ثم نختلف.
لكننا ننسى السؤال الأصعب:
كيف وصل مجتمع كامل إلى مرحلة يرى فيها عشرات الآلاف أن احتمال الموت أرحم من احتمال البقاء؟
ليست البطالة وحدها.
وليست الفوارق الاجتماعية وحدها.
وليست الهجرة وحدها.
إنه ذلك الشعور الصامت الذي يتسلل إلى النفوس حين يفقد الإنسان ثقته في أن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس.
حين يصبح المستقبل مكاناً لا يراه.
وحين يشعر أن الوطن لم يعد يَعِدهُ بشيء.
كل الذين عبروا لم يكونوا يحلمون بأوروبا.
بعضهم كان يحلم فقط بأن يشعر بأنه مرئي.
أن يكون له اسم في كشف رواتب، لا في قائمة مفقودين.
أن يحمل بطاقة عمل، لا كيساً بلاستيكياً فيه ثياب مبللة.
أن يعود إلى البيت آخر النهار متعباً من العمل، لا من الهروب.
سيكتب المؤرخون ذات يوم أن صيف 2026 شهد واحدة من أكبر موجات العبور..
سيختلفون في تفسير الأسباب.
وسيتجادلون حول الأبعاد الأمنية والسياسية والدبلوماسية.
لكن الرواية الحقيقية ستبقى في مكان آخر.
في حذاء رياضي عثر عليه الصيادون عالقاً بين الصخور.
في هاتف ظل يرن ساعات طويلة، بينما صاحبه يرقد في قاع البحر.
في أم ما زالت تترك باب البيت مفتوحاً كل مساء، كأنها تُفاوِض المستحيل.
وفي أب يرفض أن يقيم عزاءً، لأنه ما زال يعتقد أن ابنه سيعود، متعباً، نحيفاً، لكنه سيعود.
قد تنتهي الأزمة.
قد تُغلق الحدود.
قد تُوقَّع اتفاقيات جديدة.
قد تهدأ العاصفة السياسية بين الضفتين.
لكن شيئاً واحداً سيبقى مفتوحاً، مثل جرح لا يندمل:
كيف أصبح البحر، بكل ما فيه من موت، أكثرُ رحمة من الحياة؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يؤرق الجميع.
لأن الأمم لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها، بل أيضاً بقدرتها على أن تجعل أبناءها يختارون البقاء، لا الهروب.
انفضَّ صخب الكاميرات، وعاد المراسلون إلى عواصمهم، وأُغلقت نشرات الأخبار على عجل، وبقي البحر وحده في مكانه..
ظلَّ الموج يعود إلى الشاطئ كما لو أن شيئًا لم يحدث، لكن الصخور تعرف.. كانت تحتفظ بآثار أقدام لم تكتمل، وبقطع ثياب علقت بين الشقوق، وبأحدية بلاستيكية تطفو على سطح البحر، وبأسماء لم يعد أحد ينطقها إلا خلسة في البيوت.
في المدن، عاد كل شيء إلى ظاهره الطبيعي. المقاهي امتلأت من جديد، والحافلات ازدحمت، والأسواق فتحت أبوابها، والسياسيون انتقلوا إلى أزمة أخرى، والبيانات الرسمية وُضعت في الأرشيف، كأنها أغلقت الملف.
لكن الملفات الحقيقية لا تُحفظ في خزائن الإدارات العمومية.
إنها تبقى مفتوحة في قلوب الأمهات.
أمهات ما تزال تُوقظ نفسها عند الفجر كلما سمعت صوت سيارة في الشارع، معتقدة أن ابنها عاد أخيرًا، أبٌ يتجنب المرور قرب البحر، لأنه يخشى أن يرى وجه ابنه في كل موجة، أخ صغير يسأل كل مساء السؤال نفسه، ثم ينام قبل أن يسمع الجواب.
وفي مكان ما، داخل مركز استقبال مُزدحم، يجلس فتى نجا من الماء، لكنه لم ينجُ بعد من حياته. ينظر إلى الأفق، ولا يعرف إن كان قد وصل، أم أنه ما يزال عالقًا في منتصف العبور.
ربما كانت المأساة الحقيقية أن الذين غرقوا انتهى انتظارهم، أما الذين نجوا، فقد بدأت رحلتهم الأصعب.
ولعل السؤال الذي سيظل معلقًا فوق هذه الحدود، ليس عدد الذين عبروا، ولا عدد الذين ماتوا، ولا عدد الذين عادوا..
السؤال هو:
كم عدد الذين يقفون على حافة المجهول ؟
قد تُغلق الحدود ، وقد تُرفع الأسلاك، وتتضاغف دوريات المراقبة ، وقد تُوقَّع الاتفاقيات، لكن شيئًا واحدًا لن تستطيع أي سلطة أن توقفه إذا ظل ينمو في الداخل، ذلك الشعور الخفي الذي يجعل الإنسان يقتنع، في لحظة يأس، بأن المجهول أرحم من المعلوم، وأن الموج أقل قسوة من الانتظار.
لا أريد أن أضع نقطة في نهاية هذه الحكاية.
سأتركها مفتوحة، كما تُترك نافذة في بيت ينتظر غائبًا.
لأن البحر، على الأرجح، لم يقل كلمته الأخيرة بعد.
ولأن هناك شابًا، في هذه اللحظة، يجلس على صخرة في مكان ما من الساحل، ينظر إلى الضفة الأخرى، ويعتقد أن الحكاية التي انتهت هنا… لم تبدأ بَعِد بالنسبة إليه..
*كاتب مغربي

Exit mobile version