اليمن الحر الأخباري

خان.. المدعي العام الدولي الذي دفع منصبه ثمنًا لمحاولة محاسبة إسرائيل!!

د. مهدي مبارك عبد الله*
لم يكن كريم خان عندما قرر الاقتراب من إسرائيل يفتح ملفا قضائيا عاديا بل كان يقترب من واحدة من أكثر المناطق حساسية في النظام الدولي حيث تتداخل السياسة بالقوة والتحالفات والمصالح الاستراتيجية كما ان إسرائيل لم تكن طوال تاريخها الحديث مجرد دولة عادية في الحسابات الغربية بل حليفا مركزيا تحيط به شبكة واسعة من الحماية السياسية والعسكرية والإعلامية ولذلك فإن أي محاولة لإخضاعها لمعايير القانون الدولي تعني بالضرورة الحتمية الاصطدام بهذه المنظومة بأكملها .
عندما طلب خان وقت كان يشغل منصب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إصدار مذكرات توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت على خلفية الحرب في غزة لم يكن التحدي موجها فقط إلى المسؤولين الإسرائيليين بل إلى عقيدة سياسية راسخة تقول إن بعض الدول يمكن أن تبقى فوق القانون بحكم قوتها وتحالفاتها والخطورة والحقيقية المخيفة من وجهة نظر منتقدي المحكمة لم تكن في القرار ذاته بل في احتمال أن يصبح سابقة قضائية تفتح الباب أمام مساءلة قادة إسرائيليين آخرين في المستقبل القريب او البعيد .
المعركة المضادة لكريم بدأت بشراسة حيث لم تكن تستهدف مضمون القضية بقدر ما استهدفت صاحبها والمؤسسة التي يمثلها وبدلا من أن يكون النقاش حول حجم الانتهاكات والقانون الدولي تحولت المواجهة إلى عملية جادة وقوية للتشكيك في المحكمة الجنائية الدولية ذاتها واتهامها بالتسييس وممارسة الضغوط على مسؤوليها وهي استراتيجية تتكرر دائما عندما تصبح العدالة قريبة من أصحاب النفوذ والسيطرة .
عمليا ايضا الحملة المنظمة كريم والمحكمة كشفت مرة أخرى أن الحديث عن النظام العالمي القائم على القواعد يصبح أكثر تعقيدا عندما يصل إلى الحلفاء الأقوياء رغم ان تلك الدول طالما رفعت شعار الدفاع عن حقوق الإنسان وحماية القوانين الدولية الا انها وجدت نفسها أمام اختبار حقيقي بين احترام المبادئ التي تعلنها وبين حماية شريك سياسي وعسكري مهم ومتهم ملف غزة بكل تفاصيله كان لحظة كاشفة للكثير من التناقضات التي تراكمت عبر عقود وبينما سارعت بعض الدول إلى دعم التحقيقات والمحاكمات في قضايا أخرى حول العالم وجدت صعوبة بالغة في قبول الفكرة نفسها عندما أصبح المتهمون من إسرائيل أو من حلفائها وهنا ظهر السؤال الأكبر هل العدالة الدولية هل هي عالمية أم أنها تتحرك ضمن حدود تسمح بها موازين القوة بين الاقوياء فقط .
لعل أكثر ما أزعج المدافعين عن إسرائيل ليس فقط طلب مذكرات التوقيف بل تحويل القضية إلى اختبار كاشف للرواية الإسرائيلية التي نجحت منذ سنوات طويلة في تقديم نفسها باعتبارها استثناء أمنيا وأخلاقيا لا يمكن التعامل معه بالمعايير نفسها التي تطبق على الآخرين خاصة وان المحكمة الجنائية الدولية بقراراتها كسرت حاجزا سياسيا ومعنويا مهما عندما قالت إن التحقيق والمساءلة يمكن أن يصلا لاحقا إلى أعلى المستويات واهم الشخصيات .
الحقيقة المؤكدة انه حين اقترب خان من فتح الباب أمام مساءلة مسؤولين إسرائيليين عن أفعال اجرامية ثابتة ارتكبت خلال الحرب على غزة لم تعد المعركة تدور حول شخص المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بل حول مدى حدود القانون الدولي نفسه ومن يملك حق تطبيقه حيث بدأت القضية تتجاوز اسم خان لتصبح اختبارا حقيقيا لقدرة المؤسسات الدولية على محاسبة القوى التي اعتادت لعقود طويلة الإفلات من المساءلة والعقاب .
محاولة عزل خان أو إضعاف المحكمة حملت في داخلها اعترافا غير مباشر بحساسية الخطوة التي قام بها لأن المؤسسات القانونية لا تصبح هدفا للحملات الكبرى إلا عندما تقترب من ملفات تمس مصالح دولية عميقة فلو كانت القضية بلا تأثير حقيقي لما احتاج خصومها إلى كل هذا التصعيد الاقصى المنظم .
على الجانب الآخر إن استمرار الضغوط على المحكمة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية لأنه بالنتيجة سيعزز لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي قناعة بأن المشكلة ليست في القانون بل في من يحاول تعطيله عندما يصطدم بحسابات القوة والعدالة التي لا تصل إلى الأقوياء والمهيمنين حيث تفقد جزءا كبيرا من معناها وتتحول إلى أداة انتقائية تخدم المنتصرين فقط .
الحرب السياسية والاخلاقية والمهنية التي شنت على خان ليست معركة رجل واحد ولا مسألة قضائية منفصلة عن سياقها بل هي صراع مرير حول مستقبل النظام الدولي نفسه فإذا نجحت القوى الكبرى في منع أي مساءلة عندما يتعلق الأمر بحلفائها فإن مفهوم القانون الدولي نفسه سيتعرض لضربة عميقة أما إذا بقيت المؤسسات القضائية قادرة على العمل رغم الضغوط فإن ذلك سيعيد بعض الاعتبار لفكرة اساسية طال انتظارها وهي أن لا أحد يجب أن يكون فوق القانون .
إن ما جرى مع خان لا ينبغي النظر إليه باعتباره حادثة مرتبطة بشخص المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أو بملف غزة وحده بل باعتباره رسالة سياسية واضحة إلى كل من يفكر مستقبلا في الاقتراب من إسرائيل أو محاولة إخضاعها لأي مستوى من المساءلة خاصة وان جوهر القضية ليس فقط مذكرات توقيف أو إجراءات قضائية اعتيادية بل باتت حدود غير مكتوبة يراد فرضها على المجتمع الدولي مفادها أن إسرائيل بكل جرائمها تبقى منطقة محرمة أمام أي محاولة للمحاسبة وأن كل من يتجاوز هذا الخط سيدفع ثمنا سياسيا وشخصيا كبيرا اقله عزله من منصبه وتشويه سمعته وربطه بقضايا فساد مالية واخلاقية فاضحة .
لقد أثبتت التجربة أن المشكلة بالنسبة للمدافعين عن إسرائيل لم تكن دائما في طبيعة الاتهام أو قوة الأدلة والبراهين بقدر ما كانت في فتح الباب أمام فكرة المساءلة نفسها وحتى قبل الوصول إلى الأحكام أو النتائج النهائية بدأت المعركة ضد صاحب المبادرة عبر التشكيك في نواياه واتهامه بالانحياز ومحاولة ضرب سمعته ومكانته والتهديد بعزله وتقييد صلاحيات المؤسسة التي يعمل من خلالها .
وفق هذا التصور قد يتحول مصير خان إلى سابقة ترهيب لكل قاض أو مسؤول دولي أو مؤسسة حقوقية تفكر في الاقتراب من الملفات الإسرائيلية الحساسة والتحذير الذي يراد إيصاله ليس فقط في رفض قرار معين بل في منع تكرار التجربة من أساسها عبر خلق مناخ يجعل أي جهة تفكر مرتين قبل أن تفتح ملفا يتعلق بإسرائيل وقادتها حتى لو كان الملف في بدايته أو يتناول قضية تبدو صغيرة أو محدودة .
هنا تكمن خطورة المعركة لأن القضية لم تعد تتعلق بشخص كريم خان وإنما بمستقبل فكرة العدالة الدولية نفسها فإذا أصبح ثمن تطبيق القانون على الأقوياء هو حملات الضغط والتهديد والتشهير والافصاء فإن الرسالة التي ستصل إلى العالم هي أن العدالة يمكن أن تعمل بحرية فقط عندما لا تقترب من أصحاب النفوذ .
كل ما حدث مع خان كشف بوضوح أن إسرائيل لا تخوض فقط معركة دفاع عن سياساتها بل ايضا صراع أوسع لحماية الاستثناء الذي تمتعت به لعقود طويلة حيث بقيت بعيدة عن المساءلة الدولية رغم حجم الملفات والاتهامات المتراكمة بحقها والمواجهة الاخيرة ضد خان كانت في حقيقتها ضد كسر هذا الاستثناء .
النتيجة المستسقاة من عزل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لا تعني قانونيا سقوط مذكرتي التوقيف الصادرتين بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت على خلفية اتهامهما بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة وان المذكرات عمليا ما تزال نافذة والتحقيقات المتعلقة بالملف الفلسطيني مستمرة من حيث المبدأ لكن التطور الأخطر لا يكمن في الإجراء القانوني المباشر بقدر ما يتعلق في الرسالة السياسية التي حملها عزل خان في هذا التوقيت تحديدا بعد أن اقتربت المحكمة من النهاية في مساءلة قادة إسرائيليين وأمريكيين وحلفائهم عن جرائم ترتكب بحق الفلسطينيين .
مؤخرا وعلى وقع القضية حذر أستاذ القانون الدولي في جامعة في لندن ميدلسكس ويليام شاباس من أن الطريقة التي جرى بها عزل خان ألحقت ضرراً بالغاً باستقلالية المحكمة الجنائية الدولية حيث اعتبر قرار الإقالة بانه يحمل طابعاً سياسياً أكثر منه قضائياً خصوصاً بعدما تجاوزت الجمعية العامة للدول الأطراف رأي الهيئة القضائية التي نظرت في ملف الاتهامات ولم تجد ما يثبت ارتكاب خان اي مخالفة وفق المعايير القانونية المعتمدة .
المفارقة اللافتة ان الاتهام الذي استندت إليه إجراءات عزل كريم خان لم يكن متعلقاً بقضايا فساد مالي أو خلافات إدارية بل بادعاء ارتكابه سوء سلوك جسيم من خلال إقامة علاقة جنسية مزعومة مع موظفة كانت تعمل تحت إشرافه وهو ما نفاه خان بشكل قاطع لكن توقيت فتح هذا الملف وطريقة التعامل معه أثارا جدلاً واسعاً خاصة وان أن القضية جاءت بعد أشهر قليلة من قراره التاريخي بطلب إصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت وفي ظل حملة سياسية وضغوط أمريكية وإسرائيلية غير مسبوقة ضد المحكمة الجنائية الدولية .
ختاما : رغم القضية الفلسطينية أصبحت اليوم اختبارا حقيقيا لمصداقية المحكمة الجنائية الدولية وقدرتها على تطبيق العدالة الدولية خاصة عندما يتعلق الأمر بقوى كبرى أو دول تحظى بحماية سياسية واسعة الا ان الخوف قائما من أن تؤدي الضغوط الأمريكية والإسرائيلية على المحكمة إلى تغيير مسار التحقيقات أو إضعافها عبر ذرائع قانونية جديدة مثل عدم كفاية الأدلة أو إعادة تقييم الملفات وهو ما سيشكل في حال حدوثه ضربة قاسية لمبدأ عدم الإفلات من العقاب ويعزز الانطباع العام بأن القانون الدولي يطبق بقوة على الضعفاء بينما يتراجع أمام نفوذ الأقوياء وفي المقابل فإن استمرار المحكمة في متابعة ملف غزة سيكون بمثابة اختبار لاستقلاليتها وقدرتها على إثبات أن العدالة الدولية ليست أداة انتقائية تخضع لموازين القوة السياسية المتقلبة .
*كاتب وباحث فلسطيني مختص في الشؤون السياسية

Exit mobile version