اليمن الحر الأخباري

هرمز… الاتفاق لا يبدّد الحذر !

نجاح محمد علي*
تتردد أنباء عن تقدم ملموس في المباحثات بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسلطنة عُمان بشأن إدارة مضيق هرمز وترتيبات الملاحة فيه. وفيما يأمل الكثيرون أن يكون هذا التقدم خطوة نحو اتفاق إيراني أمريكي يفضي إلى استقرار إقليمي ، تبقى الذاكرة التأريخية حاضرة بقوة. فقد شهدنا اتفاقيات كثيرة مع الأمريكيين، وشهدنا غدرهم في منتصف الطريق، والعبرة دائماً بالخواتيم.
هذا الاتفاق، في جوهره، اتفاق إيراني عماني أولاً وقبل كل شيء. إنه ينبع من حق الدولتين المشاطئتين في تنظيم شؤونهما البحرية المشتركة، ويهدف إلى تمكين إيران من الحفاظ على أمنها الوطني من خلال السيطرة الفعالة على المضيق وفقاً لمصالحها السيادية. وليس من قبيل المبالغة القول إن هذا الإطار يمنح طهران القدرة على إدارة حركة الملاحة بما يضمن عدم استخدام المضيق كورقة ضغط أو ممر للتهديدات، سواء كانت عسكرية أو استخباراتية. فإيران، التي عاشت سنوات من الحصار والتهديدات، ترى في هذا الترتيب صمام أمان استراتيجياً يحمي مياهها الإقليمية ومصالحها الحيوية.
ويجب التأكيد هنا على نقطة جوهرية غالباً ما يتجاهلها الخطاب الغربي وترجماته العربية الرديئة: مضيق هرمز ليس مضيقاً دولياً بالمعنى الذي يروج له البعض. إنه ممر مائي مشترك بين إيران وعُمان، تقع مياهه الإقليمية ضمن سيادة الدولتين المشاطئتين. وإيران لم تصادق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، المعروفة باتفاقية جامايكا. فهي وقعت عليها في حينها، لكنها لم تُصدّق، وبالتالي لا تلتزم بنظام “المرور العابر” الذي يحاول البعض فرضه كقاعدة عرفية مطلقة. الموقف الإيراني الرسمي واضح ومتسق منذ عقود: المضيق يخضع لنظام المرور البريء الذي يحترم سيادة الدول الساحلية، ولا يمكن لأي طرف خارجي أن يفرض عليه ترتيبات تتجاهل الحقوق السيادية لإيران وعُمان. هذا الموقف يستند إلى واقع جغرافي وقانوني؛ فالمضيق الضيق تغطيه المياه الإقليمية للدولتين، وأي حديث عن “حرية ملاحة مطلقة” دون قيود سيادية هو محاولة لإفراغ مفهوم السيادة من مضمونه.
صحيح أن هذا الاتفاق الإيراني العماني قد يمهد، وربما، لطريق نحو تفاهم إيراني أمريكي أوسع. نقول “ربما” و”يمكنه”، لأن التجربة علمتنا ألا نضع الثقة المطلقة في الوعود الأمريكية. فالتأريخ مليء بالاتفاقيات التي بدأت بوعود براقة وانتهت بنكث العهود. أبرز مثال هو الاتفاق النووي لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة)، الذي التزمت به إيران بصرامة، ثم انسحبت منه الولايات المتحدة من جانب واحد في 2018، لتعيد فرض أقصى درجات الضغط والعقوبات. لكن الأمر لم يقتصر على نقض الاتفاق وفرض أقصى الضغوط؛ فقد شنت أمريكا حربين على إيران، وما تزال بين الحين والآخر تمارس عمليات القصف الجوي والبحري ضد أهداف إيرانية. والأهم من ذلك أن لدى الإيرانيين معلومات استخبارية موثوقة أعلن عنها مستشار القائد الأعلى السيد محسن رضائي، القائد العام السابق للحرس الثوري والمستشار العسكري للقائد السيد مجتبى الخامنئي، تفيد بوجود خطة أمريكية لغزو بري في محيط مضيق هرمز. وقد كشف رضائي أن طهران أفشلت هذا المخطط بعد استهداف الجسور في محافظة هرمزغان، مشيراً إلى سوء تقدير قادة القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) الذي أدى إلى فشل العملية قبل أن تكتمل.
لذلك، حتى لو أدى الاتفاق الإيراني العماني إلى تسهيل مسار نحو صفقة إيرانية أمريكية، فإن طهران مطالبة بألا تثق بواشنطن. الثقة العمياء هنا خطيئة استراتيجية. فالقوات الأمريكية لا تزال راسخة في المنطقة، وقواعدها منتشرة في دول الخليج الفارسي من قاعدة العديد في قطر إلى الأسطول الخامس في البحرين، مروراً بمعسكر عريفجان وقاعدة علي السالم في الكويت، وقاعدة الظفرة في الإمارات، وصولاً إلى تواجد في السعودية والأردن وفي العراق. والأدهى من ذلك أن هذا التواجد لم يتراجع، بل شهد تزايداً ملحوظاً في المعدات والطائرات المقاتلة. شهدت الأيام الماضية تعزيزات كبيرة شملت مقاتلات إف-15 وإف-35 وحاملات طائرات ومجموعات قتالية بحرية، في إطار ما وُصف بأنه أكبر حشد عسكري أمريكي في المنطقة منذ عقود. هذه القوات أدوات ضغط جاهزة، وقواعد انطلاق محتملة لأي تصعيد مستقبلي، بما في ذلك السيناريوهات البرية التي تحدث عنها رضائي.
إن بقاء هذه القوات والمعدات، إلى جانب سجل نقض العهود والحروب المتكررة والخطط الاستخبارية المكشوفة، يعني أن أي اتفاق، مهما بدا واعداً على الورق، يبقى عرضة للنقض متى شاءت واشنطن. الأمريكيون يرون في المنطقة ساحة نفوذ لا يمكن التخلي عنها، ويتعاملون مع الاتفاقيات كأدوات مؤقتة تخدم مصالحهم الآنية. أما إيران، فقد دفعت ثمناً باهظاً على مدى عقود للحفاظ على استقلال قرارها وسيادتها. لذا فإن أي ترتيب حول مضيق هرمز يجب أن يبقى تحت سيطرتها الفعلية، لا أن يتحول إلى مجرد “خدمة” تقدمها للدول الأخرى تحت رقابة أمريكية غير مباشرة.
العبرة بالخواتيم، كما يقول المثل. الاتفاق الإيراني العماني إنجاز يستحق الترحيب لأنه يعيد التأكيد على أن شؤون المنطقة يجب أن تدار بأيدي أبنائها، لا بوصاية خارجية. وهو يمنح إيران فرصة لتعزيز أمنها عبر السيطرة على أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم. لكن هذا الإنجاز لن يكتمل إلا إذا اقترن بوعي عميق بأن الأمريكيين ليسوا شركاء موثوقين، وأن وجود قواتهم المتزايد في المنطقة، إلى جانب سجلهم في نقض الاتفاقات وشَنّ الحروب والتخطيط للغزو البري، يشكل تهديداً مستمراً. على طهران أن تبني أي تفاهم مستقبلي على أساس القوة والضمانات الصلبة، لا على حسن النوايا. فالتأريخ يعلمنا أن الغدر يأتي في منتصف الطريق، وأن الخواتيم وحدها هي التي تكشف صدق الوعود من زيفها.
*كاتب وباحث عراقي في الشؤون الإيرانية والإقليمية

Exit mobile version