اليمن الحر الأخباري

المنصوري في جنوب لبنان… تعيد خلط أوراق “روما 2”

كريستينا شطح*
لم تكن الجولة السابعة من مفاوضات روما بين لبنان وإسرائيل مجرد لقاء تقني يبحث في تفاصيل الانسحاب وآليات الانتشار، بل كشفت عن جوهر الصراع الذي يدور خلف الطاولة. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بجدول الانسحاب أو تثبيت وقف إطلاق النار، بل باتت تدور حول سؤال أوسع: من يملك القدرة على رسم قواعد المرحلة المقبلة في جنوب لبنان، ومن يفرض أولويات التفاوض بين منطق استعادة السيادة ومنطق إدارة المخاطر الأمنية؟دخل الوفد اللبناني إلى «روما 2» حاملاً ملفاً واضحاً يقوم على البناء على تنفيذ المرحلة الأولى من الآلية، والانتقال إلى مرحلة جديدة من الانسحاب التجريبي تشمل مناطق أكثر حساسية، وفي مقدمتها الخيام وبنت جبيل لما تمثلانه من أهمية استراتيجية ورمزية في المعادلة الجنوبية. فبعد تجربة زوطر الغربية، حيث انسحبت القوات الإسرائيلية من أطراف البلدة وانتشر الجيش اللبناني فيها، سعى لبنان إلى تثبيت مبدأ أن الانسحاب الإسرائيلي التدريجي يجب أن يترافق مع انتقال مسؤولية الأمن إلى الدولة اللبنانية.
لكن هذا المسار اصطدم بتطور ميداني جاء في توقيت بالغ الحساسية، عندما أصدر الجيش الإسرائيلي إنذاراً لسكان بلدة المنصوري طالبهم فيه بإخلاء منازلهم والابتعاد عن المنطقة لمسافة ألف متر، مبرراً ذلك بوجود نشاط عسكري لحزب الله.
وبغض النظر عن الرواية الإسرائيلية حول أسباب الإنذار، فإن توقيته وضعه مباشرة في قلب المعادلة التفاوضية. ففي اللحظة التي كان يفترض أن يناقش فيها الطرفان توسيع نطاق الانسحاب والانتقال إلى بلدات جديدة، انتقل الاهتمام إلى احتمال تنفيذ ضربة عسكرية وضرورة احتواء تصعيد ميداني.
هنا اكتسبت المنصوري أهمية تتجاوز حدودها الجغرافية، إذ تحولت من حادث أمني محتمل إلى اختبار لطريقة إدارة المرحلة المقبلة. فبدلاً من أن يبقى التفاوض متمحوراً حول الالتزامات المتبادلة، أي الانسحاب مقابل انتشار الجيش وضمانات الاستقرار، عاد العامل الأمني المفتوح ليفرض نفسه على الطاولة.
وبهذا المعنى، يمكن قراءة ما جرى باعتباره انتقالاً من تفاوض حول إنهاء مرحلة معينة إلى تفاوض حول إدارة خطر دائم. فحين تبقى إمكانية الإنذار أو الضربة العسكرية حاضرة في أي لحظة، يصبح جدول الأعمال منصباً على منع التصعيد ومعالجة تداعياته، بدلاً من التركيز على تنفيذ الالتزامات الأساسية.
ولا تبدو المسألة مرتبطة ببلدة واحدة، بل تعكس مقاربة إسرائيلية أوسع تقوم على إبقاء العامل الأمني حاضراً كعنصر حاكم في أي ترتيبات مستقبلية. فإسرائيل لا تنظر إلى الجنوب اللبناني فقط كمنطقة تنسحب منها، بل كبيئة أمنية تريد إعادة تشكيلها وفق شروط تمنحها قدرة مستمرة على المراقبة والتدخل.
ومن هنا، فإن إدخال ملف المنصوري خلال مفاوضات روما 2 أدى عملياً إلى نقل الوفد اللبناني من موقع طرح الانتقال إلى الخيام وبنت جبيل إلى موقع معالجة أزمة طارئة. وبحسب المعلومات المتداولة، تحرك الوفد اللبناني سريعاً لمعالجة الإنذار، وجرت اتصالات لمنع تنفيذ الضربة المحتملة، ما أدى إلى احتواء التصعيد.
لكن احتواء الحادث لا يلغي أثره السياسي؛ فمجرد انتقال النقاش من مستقبل الانسحاب إلى منع مواجهة جديدة كشف قدرة أي تطور ميداني على إعادة تشكيل مسار التفاوض. ولم تكن المعركة فقط حول منع ضربة في المنصوري، بل حول منع انتقال المفاوضات إلى مرحلة انسحابات جديدة في مناطق تحمل وزناً رمزياً وعسكرياً، وفي مقدمتها الخيام وبنت جبيل.
وتتضاعف أهمية هذا المسار عند وضعه في سياقه الإقليمي. فالجنوب اللبناني ليس ملفاً حدودياً منفصلاً، بل جزء من شبكة صراع أوسع تشمل إيران، وحزب الله، والولايات المتحدة، وإسرائيل. لذلك فإن أي ترتيبات أمنية فيه لا تتعلق فقط بمصير قرى حدودية، بل بإعادة صياغة ميزان القوى في المشرق بعد الحرب.
إسرائيل تسعى إلى تثبيت معادلة أمنية تقوم على منع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله قرب الحدود، وربط أي انسحاب بضمانات ورقابة وحرية تحرك عند الضرورة. أما لبنان، فيحاول منع تحول هذه الترتيبات إلى صيغة تمنح إسرائيل نفوذاً دائماً داخل أراضيه، ويتمسك بأن يكون الجيش اللبناني المرجعية الأمنية الوحيدة، وأن يقتصر الدور الدولي على المساعدة لا الوصاية.
ومن هنا يأتي الخلاف حول آلية الرقابة وطبيعة الأطراف المشاركة في المناطق التجريبية. فالمسألة لا تتعلق فقط بمن يراقب التنفيذ، بل بمن يمتلك صلاحية تفسير الخروقات وتحديد طبيعة الرد عليها.
كما أن اعتراض إسرائيل على أي دور فرنسي في هذه الآلية يعكس صراعاً أوسع حول شكل النظام الأمني الذي سيحكم الجنوب في المرحلة المقبلة؛ فلبنان يريد إطاراً دولياً يحمي السيادة ويمنع التجاوزات، بينما تريد إسرائيل ضمانات تمنحها هامشاً واسعاً للحركة.
وتكتسب الخيام وبنت جبيل أهمية خاصة في هذا السياق، ليس فقط بسبب موقعهما الجغرافي، بل بسبب رمزيتهما السياسية والعسكرية. فأي انسحاب إسرائيلي منهما سيُقرأ باعتباره مؤشراً على انتقال الجنوب إلى مرحلة جديدة، ولذلك فإن المعركة حولهما تتجاوز حدود القرى لتصل إلى شكل التوازنات التي ستتبلور بعد الحرب.
وهكذا لم تكن المنصوري مجرد نقطة على خريطة الجنوب، بل لحظة كشفت أن معركة ما بعد الحرب لن تُحسم فقط في الميدان، بل على طاولة التفاوض أيضاً. فمن ينجح في تحديد طبيعة التهديد، يمتلك القدرة على تحديد شكل الحل، ومستقبل الجنوب لن يُرسم فقط بخطوط الانسحاب، بل بحدود النفوذ التي ستبقى بعده.
*كاتبة لبنانية

Exit mobile version