د. معن علي المقابلة*
استقلال القرار السياسي لا يتحقق بكثرة التحالفات، بل بامتلاك أدوات القوة الوطنية. فالتحالفات تتبدل بتبدل المصالح، أما القوة الذاتية فتبقى الركيزة التي تمنح الدول حرية الحركة وتعزز مكانتها كشريك متكافئ في العلاقات الدولية. من هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: من هو الحليف الأقرب لدول الخليج؟
بل: لماذا لا تمتلك دول الخليج، بعد عقود من الإنفاق الدفاعي الضخم، قاعدة صناعية عسكرية تجعل أمنها قائمًا على قدراتها الذاتية قبل أي ضمانات خارجية؟ لقد أنفقت دول مجلس التعاون الخليجي مئات المليارات من الدولارات على استيراد السلاح، ومع ذلك لا تزال تعتمد بدرجات متفاوتة على المنتج الأجنبي في التصنيع والصيانة والتحديث ونقل التكنولوجيا.
وهذه معادلة تستحق المراجعة، لأن الدولة التي لا تنتج أدوات دفاعها تظل قدرتها على اتخاذ قرار مستقل مرتبطة، إلى حد ما، بإرادة من يزودها بهذه الأدوات. والحقيقة أن السعودية، بما تملكه من ثقل اقتصادي ورؤية تنموية، قادرة على قيادة مشروع تاريخي يتجاوز مفهوم شراء السلاح إلى بناء صناعة دفاعية خليجية متكاملة، تقوم على البحث العلمي، ونقل التقنية، وتأهيل الكفاءات، وإنشاء شركات مشتركة، بحيث يتحول مجلس التعاون الخليجي من تكتل اقتصادي إلى اتحاد كونفدرالي تتوحد فيه السياسات الدفاعية والخارجية، ويكون له جيش موحد وصناعة عسكرية مشتركة، كما هو الحال في التكتلات الدولية الكبرى.
ولا شك أن التعاون مع دول تمتلك خبرات عسكرية وصناعية مثل تركيا وباكستان يمكن أن يمثل عنصرًا مساعدًا في هذا المشروع، سواء في مجالات التدريب أو التصنيع أو نقل التكنولوجيا. وقد عكست اللقاءات والاتفاقات التي جمعت السعودية وتركيا وباكستان في مكة إمكانية بناء شراكات استراتيجية عندما تتوافر الإرادة السياسية والمصالح المشتركة. غير أن مثل هذه الشراكات ينبغي أن تُنظر إليها باعتبارها وسائل لتعزيز القدرات الذاتية، لا بديلًا عن مشروع إقليمي أوسع. ومن هنا تبرز ملاحظة تستحق النقاش. فإذا كان التفكير الاستراتيجي يتجه شرقًا نحو تركيا وباكستان، فمن الأولى ألا يكون ذلك على حساب العمق العربي.
فالعالم العربي ليس مجرد محيط جغرافي، بل هو الامتداد الطبيعي للأمن الخليجي. ومصر بما تمتلكه من ثقل سكاني وعسكري وصناعي، وسوريا بما تمثله من موقع جيوسياسي وتاريخي في معادلات المشرق العربي، ليستا دولتين هامشيتين في أي تصور جاد للأمن الإقليمي. إن تجاوز هذا العمق العربي، أو التعامل معه بوصفه أقل أهمية من بناء شراكات مع قوى إقليمية غير عربية، قد يعكس رؤية استراتيجية قاصرة، لأن الأمن العربي كلٌّ لا يتجزأ، وأي مشروع للأمن الخليجي سيكون أكثر رسوخًا عندما ينطلق من بيئته العربية أولًا، ثم ينفتح بعد ذلك على محيطه الإسلامي والإقليمي.
إن بناء منظومة عربية وخليجية متماسكة لا يتعارض مع التعاون مع تركيا أو باكستان، بل يمنحه أساسًا أكثر صلابة. فالدول القوية لا تستبدل دائرة استراتيجية بأخرى، وإنما تبني دوائر متكاملة تبدأ من محيطها الطبيعي ثم تتوسع وفقًا لمصالحها. إن ما تحتاجه المنطقة اليوم ليس مزيدًا من صفقات السلاح، بل مشروعًا حضاريًا لإنتاج السلاح. وليس مزيدًا من الارتهان للمظلات الأمنية الخارجية، بل إرادة سياسية تستثمر الثروة الخليجية في بناء المعرفة والصناعة والتكنولوجيا العسكرية.
وعندما تمتلك دول الخليج القدرة على تصميم أنظمة دفاعها، وتصنيعها، وتطويرها، فإنها لن تكون بحاجة إلى البحث الدائم عن الضامن الخارجي، لأن الضامن الحقيقي سيكون قوة الداخل. لقد أثبت التاريخ أن الثروة وحدها لا تصنع النفوذ، وأن التحالفات وحدها لا تصنع الأمن، وأن الإنفاق وحده لا يصنع القوة. ما يصنع القوة هو الإنسان، والعلم، والصناعة، والإرادة السياسية.
وإذا اجتمعت هذه العناصر مع الإمكانات المالية الهائلة التي تمتلكها السعودية ودول الخليج، فإن المنطقة ستكون قادرة على الانتقال من موقع المستهلك للتكنولوجيا العسكرية إلى موقع المنتج لها، ومن موقع الباحث عن الحماية إلى موقع الشريك الذي يُسهم في صناعة توازنات الإقليم. ذلك هو الرهان الحقيقي؛ فالقوة التي تُبنى في المصانع ومراكز الأبحاث والجامعات أبقى أثرًا من القوة التي تُشترى بعقود التسليح، والاستقلال الذي تصنعه الإرادة الوطنية أكثر دوامًا من أي ضمانة تقدمها التحالفات الخارجية.
*كاتب اردني
القوة تُبنى ولا تُستورد…!
