د. شاهر احمد عمير*
تطل علينا ذكرى مولد سيد البشر وخاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لتوقظ في الأمة روح الوعي، وتعيد صياغة ارتباطها بالمنهج الإلهي القويم في مرحلة تاريخية حساسة تحتاج فيها الأمة الإسلامية أشد الحاجة إلى استلهام العبر والدروس من سيرته العطرة.
إن الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف ليس مناسبة عابرة تُستحضر فيها المناقب فحسب، وهو محطة تربوية وجهادية تعبوية لتجديد العهد بالثبات على الحق، والمضي قدماً في درب العزة والكرامة الذي خطه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بجهاده وصبره وتضحياته.
لقد بعث الله نبيه الكريم على حين فترة من الرسل وضلالة من الناس، فأنقذ الله به البشرية من ظلمات الجهل والشرك إلى نور الإيمان والتوحيد، وأسس أمةً قويةً تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله.
وقد لخص القرآن الكريم هذه الغاية العظيمة للرسالة المحمدية في قول الحق جل جلاله: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مَّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوهُمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)، لتكون هذه المنة الإلهية العظيمة منطلقاً حقيقياً لكل جيل من أجيال الأمة لتقييم واقعه واستعادة دوره الريادي بين الأمم.
وإن استحضار سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم في واقعنا المعاصر يفرض علينا قراءةً واعيةً لمفهوم الثبات والجهاد، فهما الركيزتان الأساسيتتان اللتان قامت عليهما دعوة الإسلام وبقيت بها رايته خفاقة رغم كل العواصف والتحديات.
فالرسول الأعظم والمؤمنون من معه واجهوا شتى أنواع الأذى والتآمر والحروب من قوى الكفر والطغيان، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، وكان ثباتهم الأسطوري في مواجهة الصعاب المتمثل في قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) عنواناً بارزاً لكل حر ومجاهد يأبى الخنوع ويرفض الاستسلام للمستكبرين.
إن الارتباط الحقيقي بالنبي الخاتم يتجسد عملياً في الاقتداء بنهجه القرآني في مواجهة الطغاة والمفسدين، وفي تبني قضايا الأمة العادلة، وفي مقدمتها قضية الأمة المركزية في فلسطين ومواجهة الهيمنة الاستكبارية التي تستهدف الأمة في هويتها وثرواتها وقيمها.
فالجهاد في الإسلام لم يكن يوماً ترفاً فكرياً أو نزوة عابرة، وهو ذروة سنام الإسلام وسياجه المنيع الذي يحمي المستضعفين ويصد عدوان الظالمين، مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، وقوله عز من قائل: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ).
من هنا، فإن إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف يمثل صرخة حق في وجه كل أشكال التخاذل والتبعية، ودعوة صادقة للعودة الجادة إلى القرآن الكريم والتولي الصادق لله ورسوله وآل البيت عليهم السلام وذريتهم الصالحة.
وعملياً، يسير السيد القائد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي حفظه الله على خطى أجداده الأطهار حاملاً راية القرآن والعزة، ليقود الأمة بحكمة بالغة وشجاعة نادرة في مواجهة قوى الاستكبار العالمي، مستطاباً برؤيته القرآنية الثاقبة وصلابة موقفه ليربط الشعب اليمني ارتباطاً وثيقاً بهوية الإيمان والجهاد، صانعاً ملحمة تاريخية من الصمود والانتصار للحق والمستضعفين؛ ليتحول اليمن بقيادته الاستثنائية إلى قلعة منيعة ورمز عالمي للحرية والكرامة يذود عن قضايا الأمة بكل عزم واقتدار، ليبقى هذا الالتفاف الصادق حول علم الهدى امتداداً حقيقياً للمنهج المحمدي الأصيل الذي يربط القول بالعمل، والإيمان بالجهاد، والثبات بالانتصار.
وإن الأمة الإسلامية اليوم، وهي تواجه مؤامرات غير مسبوقة تهدف إلى طمس هويتها وتدجين إرادتها، هي أحرص ما تكون على استلهام الروح الجهادية والثبات النبوي لتغيير واقعها الأليم والانتقال من حالة الضعف والشتات إلى حالة القوة والوحدة والمنعة.
فليكن هذا اليوم المبارك محطة انطلاق جديدة تتشح فيها النفوس بعزم الأنبياء، وتتسلح فيها العقول بالوعي والبصيرة، ليبقى درب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم المنهاج الأوحد الذي تهتدي به مسيرة الأحرار نحو العزة والتمكين في الأرض، مصداقاً لوعْد الله الحق: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا).
*نقلا عن الثورة
