اليمن الحر الأخباري

ثورتان… وعدو واحد!

سامي عطا*
سبتمبر 1962 وسبتمبر 2014م: من أفرغ الأولى، ومن يحاول إفراغ الثانية؟

لماذا يعود سبتمبر دائماً ؟

في كل عام، يحتفل اليمنيون بثورة 26 سبتمبر. وفي كل عام، تتكرر الأسئلة نفسها: هل تحققت أهداف الثورة؟ أم أنها أصبحت مجرد مناسبة تُقام فيها العروض العسكرية وتُلقى فيها الخطابات، ثم يعود كل شيء إلى ما كان عليه؟

لكن السؤال الأعمق الذي يطرح نفسه، من الذي أفرغ ثورة 26 سبتمبر من مضمونها؟ ولماذا؟ وهل يتكرر المشهد ذاته مع ثورة 21 سبتمبر 2014؟

المملكة العربية السعودية لم تهب في ستينيات القرن الماضي لنجدة الإمامة في اليمن، بل للحيلولة دون انتصار أهداف ثورة 26 سبتمبر. وبعد أكثر من نصف قرن، عادت لتشن عدوانها في 26 مارس 2015، لا لنجدة الشرعية، بل للحيلولة دون انتصار أهداف ثورة 21 سبتمبر.

هذه المقارنة ليست مجرد تشبيه بلاغي. إنها تكشف عن نمط ثابت في السياسة الإقليمية تجاه اليمن: كلما حاول اليمنيون انتزاع قرارهم المستقل، تدخلت قوى خارجية لإجهاض المحاولة. والنتيجة أن الثورة الأولى أُفرغت من محتواها، والثانية تُحاصر بالحرب والحصار.

فهل تنجح المحاولة الثانية؟ لا أعتقد ذلك. ولكن لماذا؟ وما الفرق بين الثورتين؟ هذا ما تحاول هذه المقالة الإجابة عليه.

ثورة 26 سبتمبر 1962 — الثورة التي أُجهضت

1. ما أرادته الثورة

في صباح 26 سبتمبر 1962، أعلن الضباط الأحرار بقيادة عبد الله السلال قيام الجمهورية العربية اليمنية، منهين بذلك حكم الإمامة الذي استمر قروناً. لم تكن الثورة مجرد انقلاب عسكري، بل كانت مشروعاً سياسياً واجتماعياً متكاملاً:

· إنهاء الحكم الإمامي الوراثي.

· إقامة نظام جمهوري ديمقراطي.

· تحرير اليمن من التبعية الخارجية.

· بناء دولة حديثة ومؤسسات وطنية.

· تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية.

كانت الثورة امتداداً لروح العصر في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، حيث كانت حركات التحرر الوطني تجتاح العالم العربي من الجزائر إلى مصر إلى العراق.

2. كيف تم إجهاضها ؟

لم تكن السعودية أول من عارض الثورة. لكنها كانت الأكثر تصميماً على إفشالها. لم تدعم الإمام محمد البدر لأنه أحبته، بل لأنها خافت من الجمهورية أكثر مما خافت من الإمام. كتب أحد الباحثين في هذا السياق: “لم تكن السعودية تدافع عن الإمامة كشكل من أشكال الحكم، بل كانت تدافع عن نفسها ضد فكرة الجمهورية التي قد تمتد إلى داخل أراضيها.”

الحرب الأهلية اليمنية (1962-1970) لم تكن حرباً يمنية خالصة. كانت حرباً بالوكالة بين مصر (دعمت الجمهوريين) والسعودية (دعمت الملكيين). لكن الأهم من ذلك أن الغرض الحقيقي من الدعم السعودي للملكيين لم يكن استعادة الإمام، بل استنزاف الثورة وإجهاض مشروعها.

فماذا حدث؟

· استُنزفت الثورة عسكرياً: سبع سنوات من الحرب دمرت البنية التحتية وأهدرت الموارد.

· تم إخضاع القرار السياسي: بعد انسحاب مصر عام 1967، أصبحت الجمهورية اليمنية تعتمد على دعم خارجي للبقاء.

· انحرف المسار الثوري: تحولت الجمهورية من مشروع تغييري إلى نظام محاصصات قبلية وجهوية.

· تم تصفية الرموز المستقلة: الرئيس إبراهيم الحمدي، الذي حاول بناء دولة مركزية مستقلة، اغتيل عام 1977.

بحلول الثمانينيات والتسعينيات، أصبح 26 سبتمبر مجرد « عيد وطني « يُحتفل به سنوياً، لكنه لم يعد « فعلًا ثورياً مستداماً «. تحول من ثورة إلى ذكرى. ومن مشروع إلى شعار.

وهنا تكمن المأساة: لم تُهزم الثورة عسكرياً، بل أُفرغت من معناها.

ثورة 21 سبتمبر 2014 — الثورة التي يحاولون إفراغها

1. ما أرادته الثورة

في 21 سبتمبر 2014، دخلت قوات أنصار الله وحلفاؤها صنعاء. اختلفت التوصيفات: هل كانت ثورة أم انقلاباً؟ لكن السؤال الأهم: ماذا أرادت؟

الوقائع والأحداث تقول أنها أرادت ما أرادته ثورة 26 سبتمبر، وسعت إلى تصحيح المسار الذي انحرف. أرادت:

· إنهاء التبعية الخارجية.

· استعادة القرار الوطني المستقل.

· محاربة الفساد والنهب المنظم.

· إسقاط منظومة المحاصصة التي أفرغت الدولة.

بمعنى آخر: ثورة 21 سبتمبر جاءت لتعيد الحياة إلى أهداف 26 سبتمبر التي دُفنت لعقود.

ولهذا السبب بالذات، أثارت الثورة الثانية نفس المخاوف القديمة. فإذا كانت ثورة 26 سبتمبر قد أزعجت الرياض لأنها جاءت بفكرة الجمهورية، فإن ثورة 21 سبتمبر أزعجتها لأنها جاءت بفكرة الاستقلال الفعلي.

2. كيف يحاولون إفراغها؟

في 26 مارس 2015، أطلقت السعودية وحلفاؤها عملية «عاصفة الحزم». كانت الذريعة: «استعادة الشرعية» و»إنقاذ اليمن من الانقلاب». لكن النص الذي بين أيدينا يكشف الحقيقة: لم تكن الحرب لنجدة الشرعية، بل للحيلولة دون انتصار أهداف ثورة 21 سبتمبر.

والدليل على ذلك:

· الشرعية التي ادعوا الدفاع عنها لم تكن موجودة فعلياً: الرئيس هادي كان قد استقال وفرّ إلى عدن ثم إلى الرياض.

· الحرب لم تستهدف «الانقلابيين» فقط: استهدفت البنية التحتية، والمطارات، والموانئ، والمستشفيات، والمدارس.

· الحصار الشامل على اليمن لم يكن وسيلة عسكرية، بل كان عقاباً جماعياً يستهدف الشعب اليمني بأكمله.

· الهدف الحقيقي كان إعادة اليمن إلى حالة الاعتماد على الخارج، وإفشال أي مشروع وطني مستقل.

بعبارة أخرى: ما فعلته السعودية بثورة 26 سبتمبر (إفراغها من مضمونها) تحاول اليوم فعله بثورة 21 سبتمبر (إفراغها بالقوة).

لماذا قد لا تنجح المحاولة الثانية؟

« فهل تنجح؟ لا أعتقد ذلك. «

هذه الثقة ليست مجرد تفاؤل. هناك أسباب موضوعية تجعل ثورة 21 سبتمبر أكثر قدرة على الصمود من ثورة 26 سبتمبر:

1. الوعي الشعبي أعمق

في الستينيات، كان اليمن مجتمعاً قبلياً منقسمًا، ولم يكن الوعي السياسي بالتبعية الخارجية واضحاً لدى الجميع. اليوم، وبعد عقود من التجارب المريرة، أصبح اليمنيون أكثر إدراكاً لحقيقة ما يحدث. الحرب والحصار كشفا الوجه الحقيقي للقوى الخارجية.

2. الثورة الثانية لم تكن نخبة عسكرية فقط

ثورة 26 سبتمبر قامت بها نخبة عسكرية ( الضباط الأحرار )، ولم تمتد جذورها بعمق في المجتمع. أما ثورة 21 سبتمبر، فقد جاءت من حركة شعبية واسعة، لها قاعدة اجتماعية عميقة. هذا يجعل إفراغها أكثر صعوبة.

3. الحرب لم تُضعف الثورة بل عززتها

على العكس من المتوقع، الحرب والحصار لم يضعفا ثورة 21 سبتمبر، بل عززاها. عندما يحاصر شعب بأكمله، ويُمنع من الدواء والغذاء، يصبح أكثر تمسكاً بمن يقف في وجه هذا الحصار. الحرب لم تكن وسيلة لإفراغ الثورة، بل أصبحت دليلاً على صحة أهدافها.

4. التجربة التاريخية أصبحت درساً

اليمنيون تعلّموا من تجربة 26 سبتمبر. رأوا كيف أُفرغت الثورة الأولى. رأوا كيف تحولت من مشروع تغييري إلى مناسبة احتفالية. لذلك، فإن وعيهم بخطورة التكرار يجعلهم أكثر حرصاً على عدم التفريط.

أنماط متكررة… ولكن النهايات مختلفة

التشابه بين 1962 و2014 واضح:

العنصر ثورة 26 سبتمبر 1962 ثورة 21 سبتمبر 2014

المحرّض الخارجي السعودية السعودية وحلفاؤها

الذريعة « نجدة الإمامة « « نجدة الشرعية «

الهدف الحقيقي إجهاض الجمهورية إجهاض الاستقلال

الأداة حرب بالوكالة حرب مباشرة وحصار

النتيجة إفراغ الثورة من مضمونها ؟

لكن الفرق الجوهري أن ثورة 26 سبتمبر كانت نخبة عسكرية تحالفت مع مصر، بينما ثورة 21 سبتمبر هي حركة شعبية واجهت الحرب وحدها تقريباً.

وهنا تكمن المفارقة: الثورة التي اعتمدت على الخارج (26 سبتمبر) أُفرغت بسهولة. أما الثورة التي اعتمدت على الداخل (21 سبتمبر) فقد صمدت رغم كل شيء.

من يملك حق صناعة التاريخ؟

السؤال الذي يطرح نفسه ليس سؤالاً تاريخياً فقط، بل سؤال وجودي: هل لليمنيين الحق في صناعة تاريخهم؟

في عام 1962، حاول اليمنيون الإجابة بنعم. فجاءت السعودية لتقول لا.

في عام 2014، حاول اليمنيون الإجابة مرة أخرى بنعم. فجاءت السعودية وحلفاؤها لتقول لا مرة أخرى.

لكن الفرق أن اليمن اليوم ليس كالأمس. الشعب الذي صمد ثماني سنوات تحت القصف والحصار ليس الشعب الذي يمكن إفراغ ثورته بسهولة.

لقد أُفرغت ثورة 26 سبتمبر لأنها سُمح بذلك. أما ثورة 21 سبتمبر، فحتى لو استمرت الحرب سنوات، فإن جوهرها لن يُفرغ، لأنها لم تعد مجرد حدث، بل أصبحت هوية.

وهذا ما يجعلنا نقول بثقة: لن تنجح المحاولة الثانية. ليس لأن الثورة قوية، بل لأن الشعب تعلم.

مراجع مقترحة للاستزادة

· « اليمن: الثورة والحرب « — د. عبد الله الصايدي

· « ثورة 26 سبتمبر: الجذور والمسارات « — د. أحمد الديلمي

· « اليمن في السياسة الدولية « — د. محمد عبد الله الحوثي

· « الحرب على اليمن: خلفيات وأبعاد « — مركز أبعاد للدراسات

· « اليمن: من الإمامة إلى الجمهورية « — د. عبد الوهاب الآنسي

· « عاصفة الحزم: قراءة في الأهداف والنتائج « — د. سامي الشامي

« التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يعيد الأنماط. والفرق بين من يتعلم ومن لا يتعلم هو الفرق بين ثورة تُفرغ وثورة تنتصر.

Exit mobile version