محسن الشامي
تشهد منطقتنا العربية والإسلامية مرحلة إعادة تشكيلات وغربلة متسارعة للخريطة العسكرية والأمنية عبر تحالفات تَبنى على واقع الميدان وحدود المطامع التوسعية والاستعمارية على حساب سيادة الشعوب ومقدراتها ومقدساتها وهويتها.
وأمام هذه التحالفات تبرز إشكالية لدى بعض القوى والتكتلات السياسية اليمنية والعربية التي تجد نفسها مدرجة — بعلم منها أو بغير علم — ضمن سياق عسكري يخدم مباشرة أهداف قوى إقليمية ودولية تقف على رأسها الإدارة الأمريكية وكيان العدو الصهيوني.
ويدّعي كثير ممن ينخرطون في تشكيلات القتال الجارية تحت مظلة تحالفات التحركات الإقليمية أنهم بمعزل تام عن مشروع كيان العدو الإسرائيلي؛ لتجنب الانكشاف والحرج أمام شعوبهم من الموقف النفسي والفكري المناهض لسياسات مجرم الحرب “نتنياهو” وجرائمه بحق الشعب الفلسطيني في غزة.
وتثبت العلوم السياسية العسكرية أن التحالفات الميدانية تُحكم بمسارات النيران ونتائجها؛ فحين تتفق الأهداف العسكرية لأي طرف محلي مع توجهات كيان العدو الإسرائيلي وحلفائه، فإن الفعل الميداني يسير لصالح الطرف الأكثر نفوذاً وهيمنة على المسرح العملياتي.
ولم يعد سراً أن التحركات العسكرية الأخيرة في المنطقة تهدف بالدرجة الأولى إلى فرض السيطرة على الممرات المائية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق باب المندب، والبحر الأحمر، ومضيق هرمز. وتكمن خطورة هذا المسار في فك الحصار عن كيان العدو الغاصب، وإن أي جهد عسكري يستهدف إضعاف الجبهة اليمنية المساندة لغزة يصبّ بشكل مباشر في إعادة التأمين البحري للعدو، ويخفف الضغط الجيوسياسي الذي فُرِض عليه نتيجة وقوف اليمن إلى جانب مظلومية الشعب الفلسطيني.
والأخطر هو استغلال اليافطات السياسية المحلية من خلال الدفع بالقوى المحلية — سواء تحت يافطة “إعادة الشرعية” أو رفع شعارات الخصومة السياسية والحزبية — لتكون رأس حربة لمشروع أكبر يهدف إلى تحييد الصوت الوحيد الذي اشتبك بوضوح مع العدوان الصهيوأمريكي على غزة.
وفي هذه النقطة، ندرك أن المأزق الأكبر الذي يواجه المقاتل اليمني المنخرط في تحشيدات العدوان السعودي بمختلف تشكيلاتها يكمن في تغليب الخصومات الداخلية على المسائل المصيرية للأمة، رغم إدراكه بأنه يقاتل تحت راية قيادات وتكتلات تتحرك برعاية وإشراف تحالفات إقليمية تنسّق أمنياً وعسكرياً مع العدوين الرئيسيين للأمة “أمريكا وكيان العدو الإسرائيلي”.
فتكون مشاركته وقتاله ضد أبناء شعبه الأحرار في هذه الحالة مشاركة فعلية لخدمة مشروع كيان العدو الإسرائيلي التوسعي في المنطقة، وتنفيذاً حرفياً لما يُسمى بـ”إسرائيل الكبرى” للأسف!
ومهما بلغت الذرائع أو المبررات السياسية، فإن الغطاء الجوي أو الدعم اللوجستي الذي قُدِّم في المعارك السابقة وسيُقَدَّم اليوم لهذه الجبهات يصدر من غرفة عمليات واحدة تضع سلامة كيان العدو الإسرائيلي واستقرار مشروعه في مقدمة أولوياتها. وبذلك يتحول المقاتل المحلي — من مدافع تحت شعارات زائفة بصبغة سياسية أو حزبية ومحلية خُيِّل له أنها وطنية — إلى أداة تنفيذية في مشروع تمكين كيان العدو الإسرائيلي من مقدرات وطنه، وسيادة شعبه، وحريته وكرامته وهويته، وتحويلها إلى موطئ قدم صهيوني متقدم على الجغرافيا اليمنية لاستهداف القوى الحرة والفاعلة، حتى لو لم يحضر فيها جيش العدو الصهيوني شخصياً، والاكتفاء بإرسال وكيليه السعودي والإماراتي وغيرهما، وتوفير التغطية الجوية والمعلومات الاستخباراتية لهم.
وسبق أن أظهرت الممارسات الميدانية الوحشية للنظامين السعودي والإماراتي عبر سنوات العدوان الظالم على الشعب اليمني طيلة اثني عشر عاماً من القتل والحصار أن الهدف غير المعلن هو إبقاء اليمن ساحة نفوذ مفتوحة ومسخّرة لتأمين الترتيبات الأمنية لكيان العدو الإسرائيلي التي يقودها العدو الأمريكي في المنطقة ويوفر لها الدعم الكامل سياسياً وعسكرياً ولوجستياً.
واليوم، وبعد أن تجلّت الصورة بوضوح عقب الاجتماعات الأخيرة في الإمارات، وما أعلن عنه سابقاً من شراكات بحرية وأمنية وتحالفات عسكرية إقليمية من قبل الرياض في مكة وجدة، يتبيّن أن كل ذلك يصب في الأخير في توفير الحماية لكيان العدو الإسرائيلي وملاحته البحرية.
وبهذا أصبحت التبعية لهذه المحاور والقتال ضمن أي تشكيل وفي أي جبهة من جبهاتها الداخلية — سواء في تعز، أو مأرب، أو الساحل، أو الحدود وغيرها — تفتقر إلى أي مستند ديني أو وطني أو أخلاقي، وأصبحت تولياً عملياً صريحاً لليهود والنصارى، وقاتلاً مباشراً تحت راية كيان العدو الإسرائيلي.
وأمام هذه المشكلة، نقول لكل من يقاتل تحت راية العدو السعودي: “إن مثل هذه اللحظات التاريخية تتطلب شجاعة في مراجعة الموقف ومكاشفة الذات، وإن النأي بالنفس عن خنادق خدمة كيان العدو الإسرائيلي وحلفائه واجب وطني وأخلاقي وإنساني وديني مُلزم ستحاسبون عليه يوم القيامة، ولن تنجوا من تبعات الاستمرار فيه، وما سينالكم من الخزي في الحياة الدنيا والخلود في جهنم يوم القيامة”.
وإن غزة اليوم هي المقياس الحقيقي لسقوط أو نجاح أي مشروع سياسي أو عسكري في المنطقة. ومن يرفض نصرة أهلنا وإخواننا في فلسطين بالمواقف العملية تحت ذريعة الحسابات الضيقة سيجد نفسه غداً — دون أن يشعر — يقاتل في ذات الخندق الذي يحمي كيان العدو الإسرائيلي ومشروعه التوسعي، ويسعى لتمكينه من السيطرة على الممرات البحرية واحتلال السيادة اليمنية، ويكون شريكاً معه في ضرب الأمة وإضعافها والقضاء على ما تبقَى من كرامة شعوبها.
