اليمن الحر الأخباري

شعب يأبى الهزيمة!

عدنان باوزير

هناك شعوب تُهزم في الحرب، وشعوب تُنهكها الحروب، وشعوب قد تسقط تحت ثقلها… لكن ثمة شعوبًا غريبة الأطوار، كلما ظننتَ أنك دفنتها، سمعتَ من تحت التراب صوتًا يقول لك: لم ننتهِ بعد.
واليمن، في واحدة من أكثر مآسي العصر الحديث قسوةً وتعقيدًا، يقدّم للعالم نموذجًا محيّرًا لهذه القدرة الغريبة على البقاء.
فمنذ عدوان ما يسمى ب (التحالف العربي) عليه في مارس 2015، دخل اليمن في دوامة امتدت أكثر من عقد، خلّفت دمارًا هائلًا، وأزمة اقتصادية خانقة، ونزوحًا واسعًا، وواحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، كما تؤكدها تقارير الأمم المتحدة.
ولم تكن الحرب وحدها هي الامتحان.
كان هناك القصف، والحصار، وانهيار الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، والخوف، والجوع، والنزوح، وانقسام الداخل، وتحوّل الجغرافيا اليمنية إلى مسرح تتقاطع فوقه مصالح قوى إقليمية ودولية متنافسة.
وفي مثل هذه الظروف، كان من الطبيعي ــ وفق الحسابات الباردة ــ أن ينهار المجتمع تحت وطأة الاستنزاف.
لكن شيئًا آخر حدث.
بقي اليمني.
وهنا تبدأ الحكاية الأكثر إثارة من الحرب نفسها.
فكلما بدا أن البلاد قد استنفدت قدرتها على الاحتمال، عاد الناس إلى بيوتهم، إلى أسواقهم، إلى مزارعهم، إلى مدارسهم، إلى أعراسهم ومآتمهم، إلى قهوتهم الصباحية، وإلى ذلك الإصرار اليومي البسيط على ممارسة الحياة.
كأن اليمني يقول للحرب، دون أن يحتاج إلى خطبة:
يمكنك أن تأخذي مني الكثير… لكنك لن تأخذي مني رغبتي في أن أعيش.
وهذا ربما هو السر الأول.
فالمقاومة الحقيقية للموت ليست دائمًا بندقيةً في يد مقاتل؛ أحيانًا تكون أمًّا تُعدّ الفطور لأطفالها وسط الخراب، وفلاحًا يحرث أرضه، وطالبًا يحمل حقيبته إلى المدرسة، وشابًا يبحث عن عمل، وعجوزًا يجلس أمام بيته في المساء وكأن العالم ما زال طبيعيًا.
إنها تلك التفاصيل الصغيرة التي تبدو للوهلة الأولى عادية، لكنها في زمن الموت تصبح فعلًا من أفعال التحدي.
فما الذي يجعل شعبًا كهذا قادرًا على احتمال كل ذلك؟
هل هو التاريخ؟
ربما.
فاليمن ليس بلدًا وليد اللحظة. إنه أرضٌ موغلة في القدم، عرفت ممالك وحضارات وتجارة وهجرات وازدهارًا وانكسارات، وعرفت قبل عصر الدول الحديثة معنى أن تكون في قلب صراع القوى على الجغرافيا والممرات والتجارة.
وقد يكون الإنسان الذي يعيش فوق طبقات متراكمة من التاريخ أكثر قدرةً على النظر إلى المحنة بوصفها فصلًا من كتاب طويل، لا الصفحة الأخيرة منه.
وربما كان السر في الثقافة.
ثقافةٌ تشكّلت في بيئة قاسية، حيث الجبل والصحراء وشحّ الموارد، وحيث كان على الإنسان أن يتعلم منذ وقت مبكر كيف يصادق الصخر، ويصبر على الجفاف، ويقاوم تقلبات الحياة.
وربما يكمن في نبل قيمه الدينية والإنسانية الأصيلة.
وربما كان في الشخصية اليمنية نفسها شيء من ذلك.
عنادٌ لا يخلو من كبرياء.
وصبرٌ يكاد يتحول إلى عادة.
وقدرة عجيبة على تحويل المصيبة إلى حكاية، والحكاية إلى نكتة، والنكتة إلى طاقة جديدة لمواصلة الطريق.
ولعل اليمني لا يواجه الحياة باعتبارها شيئًا مضمونًا أصلًا؛ ولذلك حين تضيق به، لا يشعر أنه فقد فردوسًا كان مستقرًا فيه، بل يعود إلى عادته القديمة: شدّ الحزام، واحتمال اليوم، وانتظار الغد.
وهناك تفسير آخر ربما لا يقل أهمية عن كل ما سبق:
الذاكرة.
الشعوب لا تعيش بالحاضر وحده.
هناك في داخل كل شعب أرشيف غير مكتوب، تنتقل صفحاته من الآباء إلى الأبناء: قصص المجاعات، والهجرات، والحروب، والسنوات العجاف، والأجداد الذين خرجوا من البلاد بحثًا عن الرزق، ثم عاد بعضهم، ولم يعد آخرون.
واليمني تحديدًا عرف الهجرة منذ زمن بعيد.
خرج من وطنه إلى أصقاع بعيدة، وبنى لنفسه مكانًا تحت الشمس حين ضاقت به الأرض التي يحبها. وفي كل مرة كان يحمل وطنه معه، لا في حقيبة، وإنما في الذاكرة واللغة والعادات والحنين.
ولذلك ربما أصبح اليمني يعرف، أكثر من غيره، أن الإنسان يستطيع أن يخسر المكان دون أن يخسر نفسه.
وهذه معرفة ثقيلة… لكنها تمنح صاحبها قدرة نادرة على البقاء.
ثم هناك شيء آخر لا أعرف له اسمًا دقيقًا.
شيء يقع في المنطقة الفاصلة بين علم الاجتماع وعلم النفس الجمعي والأسطورة.
إنها تلك القدرة الغريبة على إعادة إنتاج الحياة بعد الخراب.
قد يُدمّر البيت، لكن الأسرة تبني بيتًا آخر.
وقد تتعطل المدرسة، لكن الأطفال يتعلمون في مكان آخر.
وقد يضيق الرزق، فيبحث الإنسان عن مورد جديد.
وقد يُغلق طريق، فيشق الناس طريقًا آخر.
وقد يوشك أن يسقط المجتمع في اليأس، ثم تنهض منه فجأة أغنية، أو قصيدة، أو نكتة، أو عرس، أو مجلس قهوة، أو طفل يركض في شارع لم يبقَ فيه إلا نصف بيت.
كأن الحياة اليمنية تمتلك غريزةً بدائيةً تقول:
إذا لم نستطع أن نعيش كما نريد، فسوف نعيش بما نستطيع.
وهذه ليست بطولة رومانسية؛ بل آلية بقاء.
ولعل هذا هو السبب الذي يجعل اختزال اليمن في خرائط الحرب وأسماء الفصائل وأرقام الضحايا ظلمًا آخر لليمن.
فوراء كل رقم إنسان.
وراء كل مليون نازح، أو مقهور ملايين الحكايات.
وراء كل مدينة مدمرة ذاكرة.
وراء كل طفل نجا من الجوع مستقبل لم يُكتب بعد.
والأمم المتحدة نفسها تصف اليمن في 2026 بأنه ما يزال من أشد الأزمات الإنسانية والتنموية خطورة في العالم، بعد أكثر من عقد من الحرب المفروضة، مع انهيار اقتصادي واسع واستمرار الاحتياجات الإنسانية الهائلة.
ومع ذلك، لا تزال الحياة تجد طريقها.
وهنا المفارقة الكبرى:
كلما حاولت الحرب أن تجعل من اليمن مجرد مقبرة أو خرابة، أصر اليمنيون على تحويله إلى بيت.
ربما لهذا يبدو اليمن أحيانًا كطائر أسطوري.
ليس لأنه لا يحترق…
بل لأنه يعرف، بطريقة لا نفهمها تمامًا، كيف يخرج من الرماد.
يحترق جناحه، فيمشي.
ينهار البيت، فيبني غرفة.
يضيق الوطن، فيسافر.
يطول الغياب، فيحنّ.
تتراكم المصائب وتتفاقم المعاناة، فيحتفظ بحلم صغير.
ثم ذات صباح، يفتح النافذة.
فتدخل الشمس.
وكأن شيئًا لم يكن.
لا أدري إن كان سر هذه الظاهرة في الحضارة الضاربة في جذور التاريخ، أم في الثقافة والقيم، أم في طبيعة الإنسان اليمني، أم في قسوة الجغرافيا، أم في ذاكرة الهجرة، أم في كل ذلك مجتمعًا.
وربما لا توجد إجابة واحدة أصلًا.
لكنني أظن أن هناك حقيقة تستحق التأمل:
الشعوب لا تبقى فقط لأنها قوية؛ أحيانًا تبقى لأنها تعلّمت كيف تكون ضعيفة أو فقيرة دون أن تستسلم للموت.
واليمن، بعد كل هذه السنوات، لم يثبت أنه شعب لا يتألم.
بل أثبت شيئًا أكثر إنسانية:
أنه يتألم… ثم يعيش.
وهذا، في النهاية، ربما يكون أحد أقدم أسرار البقاء في تاريخ البشر.
أن تستيقظ بعد ليلة طويلة من الخراب، وتنظر إلى الشمس، ثم تقول ببساطة:
ما زال لدينا يوم آخر.
فاليوم الآخر، حين يأتي بعد كل هذا الركام، ليس يومًا عاديًا.
إنه إعلان صامت بأن الموت لم يقل كلمته الأخيرة.

Exit mobile version