اليمن الحر الأخباري

أثيوبيا وطبول الحرب بالقرن الافريقي!

د. محمد حسين أبوالحسن*
تمر إثيوبيا بواحدة من أحرج لحظاتها التاريخية؛ منذ الإطاحة بنظام منجستو هايلى ماريام عام 1991، أزمة بنيوية تهدد بتفكيك الدولة الإثيوبية، نزاع مسلح بين مكونات الاتحاد الإثنى الهش، الصراع قد يمتد شرره من المرتفعات الإثيوبية إلى البحر الأحمر، حيث تلوح أديس أبابا باجتياح إريتريا وانتزاع موطئ قدم على ساحل البحر.

جاء هذا التصعيد بعد أيام من إعلان سبع جماعات مسلحة تشكيل «التحالف الإثيوبى لقوات الشعوب من أجل البقاء»، يضم جبهة تحرير تيجراى، وجيش تحرير أورومو، وحركة فانو الأمهرية، وجماعات من أوجادين الصومالية وعفر وبنى شنقول، جبهة متعددة القوميات ضد حكومة رئيس الوزراء آبى أحمد.

منذ سقوط منجستو قبل ثلاثة عقود، سيطرت جبهة تحرير تيجراى على النظام السياسى الإثيوبى، وبوصول آبى أحمد إلى رئاسة الحكومة عام 2018 تغيّرت موازين القوى، أنشأ حزب الازدهار «الحزب الحاكم»، وأقصى القوى المعارضة من المشهد؛ فتحول الخلاف السياسى إلى مواجهة عسكرية فى نوفمبر 2020، انتهت باتفاق بريتوريا للسلام نوفمبر 2022، لكن الاتفاق جمد القتال ولم ينهه؛ «استراحة محارب» أوقفت سفك الدماء، ولم تعالج الأسباب البنيوية للصراع، ما أدى إلى تدوير زواياه وتمدد جبهاته.

وعقب الانتخابات البرلمانية الأخيرة التى استبعدت فيها جبهة تيجراى، واستحوذ حزب الازدهار- بفعل فاعل- على 90% من مقاعد البرلمان، ما أفرغ «النظام الفيدرالى» من مضمونه؛ واعتبرته الفرق السياسية «عودة للدكتاتورية» وويلاتها على يد آبى أحمد وحزبه، فى بلد يتكون من نحو 80 عرقية، حتى إن «جيش تحرير الأورومو» وميليشيا «فانو» الأمهرية انضمت لتحالف مواجهة الحكومة، كان الأمهرة حلفاء آبى أحمد سابقا فى الحرب ضد تيجراى، لكنهم صاروا يشعرون بمحاولات لتجريدهم من السلاح والنفوذ، هكذا تهدد المواجهة العسكرية الراهنة بين «تحالف البقاء» والحكومة الفيدرالية بتقطيع أوصال البلاد، وتشريد الملايين وإنهاك الاقتصاد. يتصرف كل إقليم كأنه «شبه دولة» يمتلك جيشه الخاص، ويسعى لإسقاط الحكومة الإثيوبية بالقوة، وبالفعل حقق «تحالف البقاء» انتصارات ملموسة خلال الأيام الماضية، خاصة فى تيجراى، بيد أن الدعم الإقليمى والدولى لحكومة آبى أحمد سياسيا وعسكريا واستخباراتيا، أوقف تقدم التحالف، وجعل الكفة تميل لمصلحة الجيش الفيدرالى، فى سيناريو مشابه للحرب السابقة، عندما حاصرت جبهة تيجراى آبى أحمد وكادت تسقطه لو تدخل أطراف خارجية لإنقاذه، ومساعدته على التقدم ودحر الخصوم، وصولا لتوقيع اتفاق بريتوريا للسلام.

اليوم، لا يتعظ أبى أحمد من مجريات الأحداث، إستراتيجيته فى التعامل مع الأزمات هى «الهروب إلى الأمام» ؛ فى كل مرة يرتكب أخطاء تؤلب القوى الإثيوبية المعارضة لمواجهته عسكريا، ويكون قاب قوسين من السقوط، فتهب دول فى الإقليم وقوى دولية لنجدته، لكنه يأبى استخلاص الموعظة الحسنة مما يجرى، لا يحاول إدراك هشاشة الأوضاع وحالة السيولة الشديدة المفتوحة على كل الاحتمالات فى بلاده، أو إعادة تقويم سياساته الإقصائية ضد المعارضة بالداخل والاستعلائية العدوانية تجاه دول الجوار القريب والبعيد، بكل ما يحمله من أخطار إنسانية وأمنية جسيمة على الداخل الإثيوبى والمحيط الإقليمى القابل للانفجار، بل إنه يقحم أسماء دول الجوار فى صراعاته الداخلية كجزء من أوراق الضغط السياسى، وإعادة تشكيل موازين القوى بالإقليم؛ ما يؤجج التوترات بالمنطقة، ويدفع قوى دولية لملء الفراغ.

القرن الإفريقى ليس منطقة طرفية، إنه مساحة التماس بين إفريقيا والعالم العربى وبوابة البحر الأحمر، شريان التجارة العالمية وعقدة الموانئ والطاقة، ولعل المثال الأبرز لخطورة سياسات أبى أحمد هو العدوانية الاستعلائية التى يتعامل بها الإثيوبيون مع إريتريا، انتقلت علاقات البلدين من التنسيق الوثيق خلال حرب تيجراى الماضية، إلى الجفاء والتحشيد العسكرى المتبادل حاليا؛ أثارت تصريحات أديس أبابا بشأن «الحق التاريخى والجيوسياسى فى منفذ على البحر الأحمر» فزع أسمرة وعواصم أخرى بالمنطقة؛ قبل أيام هدد نائب قائد الجيش الإثيوبى باجتياح الأراضى الإريترية وصولا إلى ميناء «عصب» على البحر. قد يكون هذا المخطط «متفقا عليه» بين أديس أبابا والدول التى تقف فى خندقها، لتحقق إثيوبيا «سيادة مزعومة» فى النهر والبحر.

الواقع أن آبى أحمد نسج شبكة أعدائه بدأب مبهر- وكذلك شبكة حلفائه – تستفز طموحات إثيوبيا التوسعية جيرانها جميعا، أى صدام عسكرى بينها وبين إريتريا قد يفجر حربا إقليمية تجر إليها السودان والصومال، وتعطيل مساعى التنمية، وبالتالى خلخلة توازنات الإقليم، فى منطقة تتنافس قوى إقليمية ودولية على موانئها وممراتها البحرية، فالجغرافيا لا تنسى، والمصالح لا تحابى، وأحجار الدومينو إذا بدأت بالسقوط فإن اختلالها لا يتوقف عند حد.

كل هذه المعطيات تجعل إنقاذ القرن الإفريقى وحوض النيل مرهونا بدفع آبى أحمد إلى الانتقال من «إدارة الأزمات والتكتيكات المؤقتة» إلى مشروع حوار قومى إثيوبى «حقيقى وشامل» يقر بالفيدرالية التوافقية، والتوزيع العادل للسلطة والتنمية، بالتوازى مع ابتكار صيغة أمن إقليمى، تحفظ سيادة الدول دون المساس بحدودها، مع تغليب منطق الشراكة الاقتصادية والمائية على نهج الاستحواذ والتصرفات الأحادية والتلويح باستخدام القوة. السؤال: ماذا تفعل الدول المتضررة من توجهات آبى أحمد إذا ظل سادرا فى غيه؟.. أظن أنه لا مفر ساعتها من التخلى عن الدبلوماسية الهادئة إلى الردع المتعدد الأدوات؛ صيانة للحقوق وحفاظا على الاستقرار، بعد إعادة ترتيب الأوراق فى ضوء حقائق المشهد الإقليمى والدولى المخاتلة، والتى قد لا تكون مواتية أحيانا!.
*نقلا عن الاهرام

Exit mobile version